عبد العزيز الأهواني .. صفحة مضيئة في تاريخنا الثقافي

29/03/2016 - 2:12:25

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

نبيل فرج - ناقد مصرى

عبد العزيز الأهوانى اسم جدير بأن يكون حاضراً فى الذاكرة الثقافية، وأن تجمع آثاره ومحاضراته، ويعاد نشر أعماله الأندلسية، التى تجتمع فيها روح الشرق والغرب، وأبحاثه فى الأدب الشعبى، وتحقيقه لعدد عن المخطوطات العربية والإسبانية، وترجمته الرفيعة لرواية “دون كيشوت” لسير فانتس، قبل أن يترجمها عبدالرحمن بدوى بعشرات السنين.


ولا تعرف الحياة الثقافية فى بلادنا أن الأهوانى لم يترجم من دون كيشوت سوى الجزء الأول، وتوقف عن إتمام الترجمة، لأن الرقابة كانت قد حذفت بعض فصول الجزء الأول.


وإلى جانب هذا الإنتاج فلم يكن اهتمام عبدالعزيز الأهوانى بالتراث القومى والعالمى يصرفه عن مواكبة التيارات الفكرية الحديثة، أو يشغله عن الخوض فى الهموم الوطنية وقضايا الشعب العربى حول الوحدة والتقدمية والرجعية، فى الإطار الوطنى والإطار الدولى.


وفى هذا الصدد كان الأهوانى يرى أن الحكومات المستبدة والاستعمار الذى يقوم على استغلال واسترقاق الدول الأخرى وراء الأوضاع السيئة فى العالم العربى التى تعوق وحدته وتقدمه، ولهذا عندما فكر عدد من زملاء وتلاميذ الأهوانى فى إعداد كتاب تذكارى عنه عقب رحيله- فى 14مارس 1980- سارع عدد من الكتاب والنقاد والباحثين من الصف الأول إلى إعداد أبحاثهم المتخصصة المهداة إليه، نذكر منهم مصطفى سويف، فاطمة موسى، أنور عبدالملك، مجدى وهبه وغيرهم، أما جابر عصفور فكتب فى جريدة “الحياة” اللندنية فى 14سبتمبر2000 مقالاً عن الأهوانى يذكر فيه أنه كان يعقد فى السبعينيات، صباح كل ثلاثاء، لقاء مع طلبته وزملائه، وكان هذا اللقاء الأسبوعى أقرب لورشة العمل، تناقش فيه القضايا الثقافية والوطنية، وكانت ثقافة الأهوانى الموسوعية، فى هذا اللقاء، تتجلى بكل سماتها العقلانية، ونزعة التواصل فى فكره بين القديم والجديد، والتقريب- التوفيق- بين العقائد والاتجاهات المختلفة فى النقد الأدبى وبعد وفاة الأهوانى انفض هذا اللقاء، ولم يتمكن أحد من زملاء الأهوانى فى الجامعة أن يحل محله، لأن شروط المرحلة كانت قد تغيرت وللدكتور عبدالعزيز الأهوانى العديد من الأفكار والآراء المناهضة لما هو سائد ومتوارث، تناثر فى كتاباته، منها مثلاً مراجعته لما اصطلح عليه مادية الحضارة الغربية، واقتصار الروحانية على الشرق مهد الأديان، ذلك أنه يرى فى إخلاص الغرب ودقته وتفانيه ما يدل على البعد الروحى، كما يدل على هذا البعد الآداب والفنون الرفيعة التى أنتجها ويعيش عليها وعنده أنه ليس هناك فرق بين شرق وغرب، وأن التفاعل والتطور بينهما يدفع بهما إلى خلق أنماط جديدة، وهذا هو حكم التاريخ ومنطقه.


يشهد على هذا التفاعل والتطور أن بعض ما كان يروى شفاهة فى هذا القطر أو ذاك كان يدون على الورق فى مناطق أخرى بعيدة عن مناطقها الأهلية، وليس هناك تعارض البته بين الارتباط بالتراث العربى القديم والارتباط فى الوقت نفسه بثقافة الغرب الحديثة، كما لا يوجد أدنى تعارض بين الأخذ من التراث والخروج عليه.


ورغم أن الأدب الشعبى لم يكن يحتفى به بالقدر الذى يتلاءم مع قيمته الموضوعية، فقد كان الأهوانى بوعيه وثقافته من المتحمسين له، يعرف جيداً أثره العميق فى الحياة الثقافية منذ وجدت المطبعة فى القرن الخامس عشر الميلادى، يبحث عنه فى الكتب القديمة والملازم التى تعرض على الأرصفة وفى الأسواق الشعبية أينما وجدت فى ريف الغرب والقرى المصرية، داعياً لتحقيقه واستعادته فى القصة والشعر والمسرح، فى ضوء شخصية المجتمع وروحه وتطلعاته.


وخلاصة موقف الأهوانى من هذه المطبوعات القديمة أنها تحمل من المبادئ أو من بذور المبادئ، مثلها مثل الثقافة الحديثة، ما يمكن للمثقف المعاصر أن يأخذ بها، كما أخذ بها الأهوانى نفسه، وعناصرها الأساسية العقلانية والتحديث والديمقراطية، وعن المقارنة بين هذه الكتب والملازم القديمة، وكتب المتاحف والأديرة المثقفة، يقدم الأهوانى ما هو شعبى، لأن لغته من لغة الحياة التى وضعت فيها فى بساطتها، وأتاحت لها المطبعة أن تحفظها كما هى من الضياع أو التحريف، وأهم من هذا أنها تأتى من المعانى والصور بلغة الناس ما لا نجده فى شعر الشعراء وأدب الأدباء ويتمثل الفارق بين هذا الأدب الشعبى فى بلادنا وفى البلاد الأجنبية فى أنهم فى الغرب تعاملوا معه بالدراسات والمناهج العلمية، وأحاطوه بالعناية فى المكتبات العامة لمن يشاء من كل الطبقات، بينما نحن احتقرناه وأهملناه، رغم ما يحفل به من قيم وثروات نفسية وعاطفية، ولم نوله ما أولاه الغرب له.


وعلى صفحات جريدة “الجمهورية” فى 1954 كتب الأهوانى عدة مقالات يقدم فيها رؤيته لهذا التراث المهمل عندنا، المكتوب بالعامية، لكى يلفت إليه أنظار المبدعين والباحثين فى وطننا.


وأعتقد أنه كان لهذه المقالات التى كتبها الأهوانى دفاعاً عن الثقافة الشعبية فى مرحلة الثورة والتحرر الوطنى، وبيان تفوقه أحياناً على أدب الفصحى، أثرها فى اتجاه الأدب المصرى شعره ونثره إلى هذا النبع الفياض الذى خرج أصحابه على التقاليد، والاستفادة منه فى الإبداع الأدبى والفنى المرتبط بالمجتمع والمعبر عنه.


ولكن مثل هذه الاستفادة لا تتم على الوجه المأمول إلا إذا سبقها وتمشى معها دراسات مفصلة ومعاجم وخرائط ودوريات عن هذا التراث الشعبى ولهجاته فى المشرق والمغرب، ولو كان شعراً ملحوناً تختلط فيه العامية بالفصحى، أو كان مسرحاً هزلياً يرتجل فيه الحوار كيفما اتفق بلغة الحديث ولغة الكتابة، ومعها الأغنية الشعبية التى تجمع بين الموسيقى والكلمة فى الأوساط الثقافية، وتعد أصلاً للزجل والتوشيح، مثلما تعد الأزجال والتوشيح أصلاً للملاحم الشعبية والشعر القصصى.


ولأن بعض الشعراء يعيشون فى عالم الشعر أكثر مما يعيشون فى عالمهم الواقعى، فإن عبدالعزيز الأهوانى يرى أن المنهج التقليدى فى دراسة الشعر باعتباره صورة للشاعر وبيئته وعصره، منهج غير سليم، لا يجدى فى فهم هذا الشعر والإحاطة بأفكاره وأساليبه وحقائقه، بعلة أن هؤلاء الشعراء الذين يعيشون فى دواوين الشعر يفصلون إنتاجهم عن الحياة، وهذا يعنى أن شعرهم لا يتصل بحياتهم إلا بنسبة ضئيلة جداً، وإنما ينبع هذا الشعر من الكتب والذاكرة، ومما تتضمنه من مبادئ فنية نظرية تعلى من قيمة الجدة والابتكار فى الفن، ومن قيمة الشكل، بغض النظر عن افتقاد الصدق فى التعبير ولو اطلعنا على كتاب عبدالعزيز الأهوانى “ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار فى الشعر” (1962)، سنجد أنه يلقى بثقله على الأصول الثقافية البعيدة التى نهل منها هذا الشاعر أشعاره، وكانت سبباً فيما اعترى شعره من تكلف وجهود، بسبب هذا الانفصال عن الحياة والواقع، والعكوف على الأوراق أو المؤلفات الصفراء، وكان الأهوانى يملك من رهافة الحس والإدراك ما يستطيع أن يفرز به مثل هؤلاء الشعراء الذين عاشوا فى التراث، لا فى الحياة العامة والخاصة، معتمداً على الموقف أو المذهب الذى يتوخاه المبدع، أو المثل الأعلى الذى يتطلع إليه، ولا يعنى هذا أن على الشاعر أن يكون مسجلاً للوقائع، فهذه مهمة المؤرخ وكتاب الحوليات، وإنما مهمته أن يفصح عن الصدق العميق للوقائع والأحداث، فى أعماقه وأعماق المجتمع، ويجسده فى شعره، وعبد العزيز الأهوانى -الذى يرفض ربط ضعف الشعر بعصور الانحطاط- يرد ضعف أو عقم هذا الشعر إلى الازدواج اللغوى، وإلى اتساع المسافة بين لغة الكلام ولغة الكتابة، بدرجة تصبح معها لغة الكتابة مجهولة أو شبه مجهولة بالنسبة للغة الكلام، وهذا ما يؤدى إلى ركاكة النصوص وضعفها.


ومع هذا فإن الأهوانى لا ينفى تأثر العامية بالفصحى، أو الأزجال بالقصائد العربية، سواء فى بنائها أو مضمونها، وأن لم تحقق الأزجال المتأثرة بالقصيدة ما حققته تلك التى تحررت من هذا التأثير الأقرب إلى التقليد عند الشعراء غير المطبوعين، وتشكلت مستقلة عنها، معبرة عما تتميز به بيئتها من خصائص، ويكاد لا يوجد لها نظير فى الشعر العربى، مثل غزل الفتيات فى الفتيات وليس العكس.


ولم تكن مثل هذه الأزجال العامية بلسان الفتيات أقل فى مستوى التعبير عن أشواق الأنثى عن أشواق الذكور للإناث، وربما كانت أكثر إفصاحاً وأغواء حين تقول الفتاة: “ما أجمل عذارك ياحبيبى يا الأسمر قل أين دارك، عجل ولا تفكر” وكتاب عبدالعزيز الأهوانى “الزجل فى الأندلس” الذى أعيد طبعه فى قصور الثقافة فى 2002 يطلع القراء على شعراء الزجل الأندلسى المعروفين وغير المعروفين، محللاً فنهم منذ نشأته فى القرن الخامس الهجرى، عارضاً شخصياتهم وعاداتهم وشواغلهم.


وللمكانة الرفيعة التى يحتلها ابن قزمان فى الزجل الأندلسى فى القرن السادس، يخصص الأهوانى له فى هذا الكتاب عدداً من الصفحات أكثر من غيره، نتعرف من خلالها على هذا الإمام فى فنه- على حد تعبير الأهوانى- الذى كان يعتبر نفسه ضائعاً، لأنه رغم ثقافته وكفاءته يضطر إلى الاشتغال بحرف أخرى لا تمُت للشعر بصلة، وهو ما كان يعتبره فوق احتماله، ولكنه كان مضطراً إليه، حتى يجد ما ينفقه فى حياته.


ولا يؤخذ على هذا الكتاب لعبدالعزيز الأهوانى إلا أنه يورد النصوص الأندلسية بكلماتها غير المفهومة لقراء العربية، مثلما لم تكن مفهومة عندما كانت تنقل إلى المشرق العربى، وكانت تحتاج من المؤلف إلى ترجمة وشرح.