شاعر الأطلال.. نــــاجي

29/03/2016 - 2:11:42

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد رضوان

تمر فى الرابع والعشرين من شهر مارس الجارى الذكرى الثالثة والستون لرحيل شاعر الحب الضائع إبراهيم ناجى الذى ارتبطت باسمه قصيدته الرائعة “الأطلال” التى تعد مفتاحا لحياته العاطفية التى لازمها الإخفاق والضياع، رغم مـشاعره الرومانسية المجنحة وقلبه الخفاق بأسمى المشاعر وأعذب العواطف التى أرسلها لكل من أحبهن لكن حظه كان دائما يقابله الإخفاق والفشل فى كل تجاربه.


وهكذا عاش شاعر الحب والجمال إبراهيم ناجى كالطائر الحزين الذى حلق فى سماء الشعر الرومانسى يرسل أناشيده الحزينة الباكية على أشجار الحب والنجوى!


عاش الشاعر إبراهيم ناجى للحب والجمال وكانت حياته قصيدة حب حالمة امتزجت فيها أنغام الوصال والهجر، والحنين والأنين والرضا والألم.. فقد أفصح عن أسرار قلبه وسرائر روحه فى قصائده الرقيقة الحالمة بصدق وحرارة ، حتى أصبح بحق شاعر اللهفة العاطفية.


ولد إبراهيم ناجى فى 31 يسمبر عام 1898 فى بقعة شاعرية حالمة سماها جماعة من الوجهاء مدينة الأحلام بحى شبرا وكانت يومئذ تجرى من تحتها نهيرات الترعة البولاقية، وتتفرع منها قنوات تنساب فى جمال حالم تحيط بها الخضرة وكان يقطن فى هذا الحى جماعة من محبى الأدب والفن وكان والده على إلمام واسع بالثقافة العربية والعالمية يعقد ندوات فى بيته.. وهكذا نشأ إبراهيم ناجى وسط هذا الجو الثقافى الرفيع يهفو للأدب ويتطلع إلي الاستزادة منها وأعجبته قصة دافيد كوبرفيلد لتشارلز ديكنز واستوقفه شعر البحترى والشريف الرضى وأحمد شوقى، فحفظ أغلب قصائدهم عن ظهر قلب، وشدته موسيقا شعرهم ورقة الجرس.


التحق شاعرنا بمدرسة باب الشعرية الابتدائية عام 1904 وبرز فيها تفوقه ثم التحق بالمدرسة التوفيقية الثانوية التي بدأ يكتب فيها محاولاته الشعرية الأولى فكانت إرهاصات لما سيأتى فيما بعد ومن شعر الصبا تلك القصيدة بعنوان “كلانا” التى يقول فيها:


كلانا حزين فلا تجزعى


ودمعك تسبقه أدمعى


وإن كان بين ضلوعك نار


فنار الصبابة فى أدمعى


وإن كان نجم هنائك غاب


فنجم هنائى لم يطلع


كان الدكتور إبراهيم ناجى رقيقا، وديعا، صافى القلب، عذب الروح كان كما يصفه إبراهيم المصرى: “تلتقى بالدكتور ناجى، فتشعر كأن نسيما منعشا يهب عليك، وتصافحه فكأنما يفتح لك صدره، وتجلس إليه وكأنك فى حضرة روح حائر، وتستمع إلى حديثه فيأخذك العجب من طهارة قلبه وبراءة نفسه وسلامة طويته وعذوبة صوته وطلاقة محياه”.


هذه هى شخصية ناجى كما صورها من عرفه وكما صورتها تصرفات شاعرنا الإنسانية فقد كان يتخذ من الطب مهنة إنسانية أولا، ويجعلها هواية فى كثير من الأحيان وكثيرا ما كان يخرج من جيبه ثمن الدواء - وأحيانا ثمن الغذاء - للمرضى والفقراء!


وكان أهل الأدب والفن من متوسطي الحال يعالجون عنده وفى أغلب الأحيان كانت عيادته تزخر بألوان من المرضى الفقراء وكان حصيلة كل هذا أقل القليل من المال، ولكنه كان يشعر بسعادة غامرة إزاء ذلك. لقد أعطت صناعة الطب لناجى ضوءاً جديداً وتجربة خصبة وكشفت له أبعاداً فى النفس الإنسانية وأبانت له حقائق باهرة قوامها أن مرضى الأجساد هم مرضى النفوس أساساً، وأن ابتسامة الطبيب هى نصف العلاج، فقد جمع بين الطب والشعر.


الشعر مرحمة القلوب، وسره


هبة السماء ومنحة الديان


والطب مرحمة الجسوم ونبعه


من ذلك الفيض العلى الشان


الطائر الجريح


كان ناجى فى بداية حياته العملية قد بدأ يصطدم بالواقع ويخبر الحياة خيرها وشرها وهو الإنسان المرهف الحس الرقيق الوجدان، ودار صراع حاد فى نفس الشاعر المرهفة بين المادة والروح والخيال والواقع، وحاول المواءمة بين طبيعته المرهفة الحساسة وبين مرارة الواقع وقسوته.. ودار صراع فى نفسه ونضال بين الغرائز والقدر، بين الميول والظروف بين الخيال والمادة، بين الوهم والواقع، بين الروح والجسد، وأخيرا يلتفت فإذا نفسه أشلاء وإذا الذبالة تحترق والزيت ينضب وكانت تلك مأساة ناجى كان هناك صراع حاد يدور فى نفسه وكان يحاول أن يجد ما يرضى روحه القلقة ونفسه المعذبة باحثاً عن الاستقرار من غربته الروحية، فقد كان جائعا على كثرة الزاد، ظامئا على وفرة الموارد، مسافرا وهو مقيم، يسير بمصباحه وحيداً هائما فى خضم الحياة يغنى للحب والجمال:


فراشة حائمة


على الجمال والصبا


تعرضت فاحترقت


أغنية على الربا


تناثرت وبعثرت


رمادها ريح الصبا


امشى به وزيته


كاد به أن ينضبا


وقد عانى ناجى فى سنواته الأخيرة الكثير من المؤامرات والدسائس وراحت ألسنة الحاسدين والحاقدين تدس له عند رؤسائه فى العمل (بوزارة الأوقاف) وتزعم أنه منصرف عن الطب إلى الشعر والأدب. ونجحت الدسائس فى الهبوط به من منصب المدير إلى منصب المراقب، ثم ما لبث أن انتهى الأمر إلى إخراجه من وظيفته وهو فى حوالى الثانية والخمسين.


وكانت صدمة عنيفة هزته من أعماقه هزا عنيفا وغامت الدنيا فى عينى الشاعر الرقيق، واستسلم للعزلة، وغشت الكآبة نفسه واحتوته سورة اليأس وعانى العذاب الممض وأسرف فى الشراب ينشد فيه السلوى والنسيان واعتزل المجتمع وغابت ابتسامته الحلوة.


لقد تغير كل شىء فى ناجى فى سنواته الأخيرة.. صمت القلب العاشق المغرد وعاد غناؤه نواحا وترنيمه أنيناً.


وزادت هذه المحنة من إهماله لنفسه فلم يعد يأبه بطعام أو صحة أو ملبس وأدى ذلك إلى خلاف بينه وبين زوجته وشرع يقضى لياليه ساهراً هائما على وجهه لا رفيق له سوى الأقداح والذكريات وقلمه وهواجس نفسه، وزاد الأمر أن الشاعر كان يعانى من ظروف غدر من ليلاه فأصبح كل شىء أمامه موحشاً كئيباً:


قد رأيت الكون قبرا ضيقا


خيم اليأس عليه والسكوت


ورأت عينى أكاذيب الهوى


واهيات كخيوط العنكبوت


كنت ترثى لى وتدرى ألمى


لو رثى للدمع تمثال صموت


وانفض عنه معظم أصدقائه إلا عددا محدودا ظلوا بجانبه فى محنته منهم صديق عمره الشاعر صالح جودت الذى ظل ملازما له وفيا لصحبته حتى آخر نسمة فى حياة ناجى.


زازا وعاصفة الروح


أثناء اشتعال الحرب العالمية الثانية - فى 1939/1945 - كان ناجى يعانى كآبة فى نفسه ووحشة قاسية وكانت القاهرة يخيم عليها الظلام والصمت.. ودخل في حياته حب كبير كان بمثابة لمحة الضوء التى سطعت فى دياجى الظلمات في تلك الحقبة الصعبة من حياته.


كانت زازا فنانة رقيقة تحب الشعر وتعشق الفن وكانت كثيرا ما تناقش ناجى فى شتى فروع الأدب والثقافة والفن والحب، وكانت تعقد ندوات أدبية وفنية عامرة فى صالونها وجد فيها ناجى، فى تلك الحقبة التى كان يعانى فيها من محنته بالناس والزمان الملجأ والسلوى.. عرفها حوالى عام 1944 فملأت الفراغ الذى كان يكابده.


ويلقى الشاعر صالح جودت الأضواء على قصة هذا الحب الكبير، فيقول عن تلك الملهمة:


“أما زازا.. فلست أجانب الحق إذا قلت إنها المرأة الوحيدة التى أحبت الشاعر.. كانت شابة وسيمة القسمات، أنيقة الروح، تعشق الشعر، قديمه وحديثه، وتحفظ الكثير من هذا وذاك، ولم تكن ذات مطامع كمطامع الغانيات، كان كل همها فى الحياة أن تكون بجانب شاعر يحبها وتحبه”.


لقد لعبت زازا فى حياة ناجى فى تلك الحقبة دورا كبيرا فى تخفيف آلام نفسه وأحزان روحه وكان فى تلك الحقبة يعانى المرض وعقوق الأصدقاء وهجر المحبوبات وعسر فى المال فضلا عن الأحقاد والدسائس من خصومه الذين استغلوا محنته فزادوا من دسائسهم للنيل منه فى عمله وكان يقترب حينئذ من الخمسين فزاد ذلك من محنته وألمه.


وانعكس ذلك على نفسيته وشعره وفى لحظة يأس اعتكف وحيداً وشرع يشرب بإسراف رغم تأثير ذلك علي صحته لمرضه بالسكر وبذات الرئة، وقرر أن يهجر كل شىء، وأحس بالنهاية وبأن الزورق الذى كان يتهادى فى بحار الحب والجمال قد أوشك على الغرق ولا مجيب لصراخ الملاح الحزين!


فكانت تلك القصيدة التى كتبها فى لحظة يأس قاتلة وكآبة حادة ومما زادها كآبة وصدقا ووحشة أنه استوحاها من لحـظات هجر وفرقة مع محبوبة العمر “زازا” التى كانت بلسمه الشافى الذى خفف عنه الكثير من آلام روحه، وأحزان نفسه، يقول فى عاصفة الروح:


أين شط الرجاء


يا عباب الهموم


ليلتى أنواء


ونهارى غيوم


أعولى يا جراح


اسمعى الديان


لا يهم الرياح


زورق غضبان


اسخرى يا حياة


قهقهى يا رعود


الصبا لن أراه


والهوى لن يعود


وتبلغ الكآبة ذروتها والحزن مداه فيودع كل شىء الصبا والأمل والغرام بعد وداعه للحب الوحيد فى حياته الذى كان يضىء أفق حياته ويبدد عن روحه ظلماتها وأحزانها، فيقول:


اطحنى يا سنين


مزقي ياحراب


كل برق يبين


ومضه كذاب


اسخرى يا حياة


قهقهى يا غيوب


الصبا لن أراه


والهوى لن يؤوب


ولكن زازا ظلت بجانبه إلى آخر نسمة فى حياته تهبه حياتها وهى صبية، وهو فوق ذلك قليل الحظ من المال والجمال، مريض بذات الرئة، فما من شك بعد ذلك أنها كانت تحبه حبا مثاليا لا غاية وراءه إلا الحب فى ذاته .


وغرق الزورق وراح شاعرنا يذوب تدريجيا وأسرف فى السمر والضياع وأصبح حطاما يدب على الأرض بعد أن أصابته صدمات من المرض وفرقة الحبيب ومكايد الأعداء وانفضاض الأصدقاء عنه وخروجه من وظيفته واتخذ الطائر الجريح من الليل صديقاً وأنيساً يبثه نجوى روحه وآلام نفسه عله يجد السلوى والنسيان وكانت لياليه حافلة ببقايا الذكريات والآلام وكان من نتاج ذلك أجمل وأرق شعره المضمخ بالدموع والأحزان!


ثم ما لبثت القيثارة الشجية التى أبدعت لنا أجمل أنغام الحب والجمال أن صمتت!


وأخيرا .. غرق الزورق وغاب الملاح بين الأمواج.. مات الإنسان الكبير والشاعر الحساس وهو يهتف فى أسى مودعاً محبوبته والوجود:


داو نارى والتياعى


وتمهل فى وداعى


يا حبيب العمر هب لى


بضع لحظات سراع


قف تأمل مغرب العمر


وإخفاق الشعاع


وابك جبار الليالى


هده طول الصراع


وضياع الحزن والدمع


على العمر المضاع


وهتاف القلب ما الشكوى


على غير انتفاع


ما يهم الناس من نجم


على وشك الزماع


غاب من بعد طلوع


وخبا بعد التماع


وعندما مات ناجى فى 24 مارس 1953 عن عمر يناهز الثالثة والخمسين أصيبت زازا بصدمة عنيفة وأصرت على أنه لم يمت بل - كما قالت “ذهب ولم يترك عنوانه”!.


ومن وحى ألمه وأساه استوحى قصيدته “الأطلال” التى أهداها إلى التى تركته أطلال روح بعد أن حطمت حياته وحولته إلى شظايا إنسان وأشلاء قلب!