أمــــريــكـــــا .. في كتابات الرحالة المصريين

29/03/2016 - 2:10:47

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

حمادة جمال ناجي - باحث مصري

أدب الرحلات من أهم المصادر التي يرى من خلالها القارئ صورة الآخر ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد احتل أدب الرحلات مكانة كبيرة بين قراء العصور السابقة، وتراجعت هذه المكانة في عصرنا الحالي وخاصة مع تقدم وسائل الاتصالات الحديثة التي جعلت القارئ يحصل على الكثير من المعلومات عن أي بلد في العالم.


 والرحلات المصرية إلى بلاد العالم في العصور السابقة كثيرة جدا سواء كانت إلى أوروبا أو آسيا أو إفريقيا، وأما عن الرحلات المصرية إلى أمريكا في العصر الحديث فإنها لم تحتل إلا مكانة ضئيلة جدا، ولم يقم بها إلا الدبلوماسيون فقط أو الأشخاص المهتمين مثل رحلة الأمير محمد علي، ابن الخديو توفيق إلى أمريكا الشمالية عام 1912.


    وأما عن الرحالة محمد لبيب البتنوني فقد ذكره خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام قائلا: "محمد لبيب البتنوني: فاضل مصري، له اشتغال بالأدب والتاريخ. من كتبه رحلة إلى الأندلس، وتاريخ كلوت بك ترجمه عن الفرنسية، والرحلة الحجازية، ورحلة الصيف إلى أوروبا، والرحلة إلى أميركا. نسبته إلى البتنون من بلاد المنوفية بمصر".


    توجه محمد لبيب البتنوني إلى أمريكا في 13 يونيو 1927 بهدف حضور مؤتمر التربية الزراعية الذي عقد في مدينة واشنطن، وعقب انتهاء المؤتمر تجول في بلاد أمريكا واصفا طبيعتها ومدنها وسكانها وأنظمتها، وكان شديد الحرص على تسجيل كل ملاحظاته وإرسالها إلى جريدة الأهرام في صورة مقالات لنشرها، ثم جمع كل هذه المقالات في كتاب "الرحلة إلى أمريكا"، وذكر سبب نشر رحلته في مقدمة كتابهقائلا: "ولقد رأيت كما هي عادتي في رحلاتي أن أشرك بني قومي معي في مرئياتي ومشاهداتي... وكنت أبعث إليهم برسالاتي التي كانت تنشر في جريدة الأهرام.. ولما كثر على طلب إخواني حفظهم الله بجمع هذه الرسائل لبيت أمرهم وضممت إليها ما تيسر لي جمعه من صور تلك البلاد التي أن تسمي بحق ببلاد العجائب...".


عندما وصل البتنوني إلى أمريكا أعجب بها إعجابا شديدا وخاصة نيويورك التي وصفها بأنها مدينة عظيمة بها مبان شامخة عالية الارتفاع، وفي وسط مينائها تمثال لسيدة ترفع يدها اليمني للسماء لتشير إلى القادمين بالدخول إلى المدينة في حرية تامة، كما وصف شوارع نيويورك وازدحامها بالسيارات (الأوتوموبيلات كما ذكرها)، ووصف شكل المدينة بأنه مستطيل وتقع بين نهرين (النهر الشمالي) من الشرق و(نهر هدسون) من الغرب، وذكر أن تعداد سكانها يفوق تعداد سكان القطر المصري كله في أوائل القرن العشرين، ومن أهم الأشياء التي لفتت نظر البتنوني في نيويورك (المباني التجارية) المنظمة في أماكن مستقلة مثل مبني (وول ورث بلدنج) والذي وصفه بالتفصيل سواء في شكله أو محتوياته.


    زار البتنوني مقر البورصة الأمريكية ووصفه بأنه مكان عظيم في وسطه مكان متسع على شكل مربع يبلغ نحو 50 مترا ويعمل بداخله أشخاص كثيرون وصفهم لكثرتهم بالنمل ويتحدثون بصوت عال عن ارتفاع أو انخفاض الأسهم، وعلى حوائط المبنى من الداخل لوحات كبيرة مقسمة إلى مربعات صغيرة وبها علامات حمراء أو خضراء تتحرك باستمرار وبشكل أوتوماتيكي وعليها أسعار مختلفة، كما يضم المبني حوالي 20 مكتبا للتلغراف. وأشار إلى تقسيم المبنى إلى صالات وكل صالة مخصصة لبورصة معينة مثل (بورصة القطن، وبورصة المحاصيل، وغيرهما)، وهو ما ذكره الأمير محمد على توفيق بالتفصيل في رحلته لأمريكا الشمالية عام 1912.


    توجه البتنوني بعد ذلك إلى مدينة واشنطن (واشنجتون كما ذكرها) في 11 يونيو 1927، ووصف المدن التي مر بها مثل مدينة (فيلادلفيا) وذكر أنها مشهورة بتجارتها الواسعة وبها الكثير من مغازل القطن، كما ذكر مدينة (بتسبورج) بأنها تسمى مدينة الحديد لأن بها أكبر مصانع الحديد في العالم، وعدد سكانها 600 ألف شخص، وعندما وصف العاصمة مدينة (واشنطن) قال إنها مليئة بالأعشاب الخضراء وأشجار الفاكهة، وتعداد سكانها نحو 800 ألف شخص، وشوارعها واسعة ونظيفة وتسمى الشوارع الكبرى بالأحرف الهجائية والشوارع الصغرى التي تقاطعها بالأرقام مثل (شارع ب مع شارع 15)، ومن أهم الأماكن التي وصفها البتنوني في واشنطن (البيت الأبيض) الخاص برئيس الولايات المتحدة، ووصفه بأنه "واقع على دوران ميدان صغير يجمع بين بساطته وصغره وفخامته، وفي جانب من جوانبه جناح فيه مكتب الرئيس.. الذي يصل مرتبه إلى 15 ألف جنيه في السنة وخمسة آلاف بصفة مصاريف يقدم عنها لحكومته حسابا بالجهات التي صرفت فيها".


    وأما عن برلمان الولايات المتحدة (الكابيتول كما ذكره) فهو أضخم أبنية مدينة واشنطن، ويقام على هضبة عالية تتصل منحدراتها ببستان في منظر رائع، وبه سلالم من الرخام الفخم، وأعلى المبنى قبة تناطح السحاب وعن يمين القبة وشمالها مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وبجانبهما مبنى فخم به مكاتب خاصة لكل أعضاء المجلسين.


    وأما عن الشعب الأمريكي فقد ذكر عنه البتنوني أنه خليط من أبناء دول مختلفة، وأنه من الأمم الحية والعملية، وأنه شعب مشهور بثروته وكرمه، ووصف الرجل الأمريكي بأنه شخص راق في  صفاته ومتين في أخلاقه ويقدر قيمة الزمن ولا يعرف للحياة معنى غير العمل، وأما عن المرأة الأمريكية فلها الحرية المطلقة غير المحدودة، "فهي لا ترى نفسها أقل من الرجل في حقوقه المدنية، وقد تتشبه به في كلامه، وفي هندامها، حتى إذا تكلمت من وراء ستار ظننتها في الغالب من هذا الجنس الذي خلق للأعمال الشاقة. وكثيرا ما تراها هنا تعمل مع الرجل في المصانع والمعامل، وقد تراها أكثر منه عملا في المحال التجارية ومكاتب الإدارات المختلفة"، وسجل أن هذه الصفات التي تميز الشعب الأمريكي ترجع إلى عامل التربية النفسية القائم على مبدأ (ساعد نفسك بنفسك) فلا يعتمد الإنسان على غيره في أي عمل من أعمال الحياة، ويدلل بذلك قائلا: "قف لحظة واحدة في أية محطة من محطات السكة الحديدية تر الرجل والمرأة والشاب والشابة بل والطفل - مهما كانت درجاتهم في الثروة والجاه - تر كلا منهم حاملا حقيبة ملابسه في يده". ويقارن البتنوني بين استغلال الوقت في أمريكا وبين إهماله في مصر، وينسب ذلك إلى نقص التربية العملية في مصر.


    وبالنسبة للحياة الثقافية في أمريكا فقد أسهب البتنوني في وصفها، وذكر أنها تقوم على أساس كثرة المدارس والكليات وانتشار الجامعات، فإنه لا يخلو أي مكان من مدرسة أو كلية أو جامعة، وأعطى مثالا على إحدى دور التعليم ووصفها بالتفصيل قائلا: "أذكر لك جامعة هارفارد التي هي أقدم جامعة بالولايات المتحدة، والتي توجد في كامبردج... والتي سميت باسم ذلك الرجل الكريم (جون هارفارد) الذي شيدها في سنة 1638. على مثل جامعة أكسفورد، وكامبردج في إنجلترا، وهذه الجامعة توجد في متسع عظيم من الأرض، قامت على أبعاد مختلفة في بنايات كثيرة تفصلها عن بعضها الأشجار الزاهرة، والأزهار العاطرة، وكل بناء منها لنوع خاص من العلوم والفنون، أو المتاحف المختلفة، والمكتبات القيمة، ومن هذه البنايات ما هو لسكن الطلبة..، ومن هذه البنايات ناد كبير يقضي فيه الطلبة أوقات سمرهم، وقد يتخلل ذلك شيء من أغانيهم وموسيقاهم، مما يخفف عنهم ما عانوه في عملهم اليومي من تعب ونصب. وللجامعة كنيسة بديعة لتأدية واجبات الطلبة الدينية. ومن ضمن أبنية الجامعة بناء خاص لتحرير جريدة الجامعة تجد به جميع أنواع الجرائد والمجلات المختلفة".


وفي النهاية يمكننا القول إن البتنوني وصف جميع الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي اعتمدت عليها أمريكا في إدارة شؤونها، ولم يترك أي مجال إلا بعد وصفه وشرحه شرحا دقيقا لإفادة القارئ المصري الذي كان يجهل - في ذلك الوقت - كل هذه الجوانب الخاصة بهذا الآخر الأجنبي والذي لا يعرف عنه إلا معلومات ضئيلة عن طريق الصحف والكتب المنشورة في ذلك الوقت، وبالرغم من أنه لم يتعرض في كتابه لبلاد أمريكا الجنوبية إلا أنه أعطى صورة تفصيلية واضحة عن أوضاع الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الأول من القرن العشرين.