واسعٌ.. كل هذا الضيق

29/03/2016 - 2:02:08

عبد الرحمن بوزربة عبد الرحمن بوزربة

عبد الرحمن بوزربة

شاعر جزائري يعمل مديرا للنشاطات الثقافية والعلمية بجامعة جيجل، 2005. له أربع مجموعات شعرية: "شايات ناي"، "إشراق الغيم"، "نهايات"، "واسع كل هذا الضيق"، نال جوائز أدبية في الجزائر والوطن العربي.


تضيقُ البلادُ الفسيحةُ بي


حين يتّسع القلبُ..


والأرض تصحو


بعيدا عن الشمسِ


حين أباغتها بالعـراءْ..


فاجعٌ وجهُ هذا الطريقِ


فهل أشتهي العمرَ


أم أدعي الموت في كبريـاءْ..؟


ها أنا بين ما لا أشاءُ


وما لا أشـاءْ..


أرابضُ في الصمتِ


أحنو قليلا على الذكرياتِ..


على قدميَّ تنام الجسورُ


ولا أستطيع العبور إلى العطر


يا وردة الانتمـاء..


مفرَدٌ في زحام الجهات..


أفتّش عن أيِّ صوتٍ يدلُّ عليَّ..


تمرُّ المواعيد مجروحةَ الخطوِ


والصمتُ ينتعلُ الأصدقـاءْ..


كلّنا أهلُ هذا المُسجّى


فمن ذا يمدُّ يديه لنا..


للعـزاءْ..؟


كلّنا في الصباح عراةٌ


فأينَ الليالي التي وعدَتنا الغطـاءْ..


وأين حديثُ الندامى


عن الأرض والحبِّ


والكلمات الخزامى..؟


كلّه للبكـاءْ.. !


أين ما زرع الكفُّ..


ما خبَّأَ الصيفُ..


يفضحك الآن يا نملُ هذا الشتـاءْ..


أنا لا أدعيني مقاما


ولا أنتقي لغة للرثـاءْ..


لن أقول سوى أنني عاشقٌ


تيّمتهُ الأغاني..


وأبكاه أن الرياحَ التي ينتقي


لم تطوِّحْ به في مهبِّ الغنـاءْ..


*********


تضيقُ البلادُ الفسيحةُ بي


كم أداري دمي عن فمي


وأخبىءُ فيه يدي والقيودْ..


للصراخِ المدى


والصدى لا حدودَ له


عندما تتلاشى الحدودْ..


كنتُ طفلاِ من الشمسِ


أعدو مع الريحِ والريحُ زادُ..


وكنت أقولُ:


سأكبرُ يوما وتكبر فيَّ البلادُ..


تشبّعتُ بالعطر والوسخِ البكرِ


لم أمسَحِ العرَق الحرَّ


حين تصبّبتُ بالحلمِ..


كان التراب وليمةَ عشقي الكبيرةَ..


ـ  إرجعْ إلى البيت..


هذي الفراشاتُ يوما


ستقتلُ ذاك الصبيَّ الشقيَّ ..


ـ  أعود إذا الناس عـادوا..


وأفتحُ في الليل نافذة


لنهارٍ صغيرٍ


فيدخلُ كل الأحبّة:


سربُ الطيورِ..


نزيفُ الأناشيدِ..


جيشُ الفراشِ..


حديثُ القرى..


وشقاوةُ حيٍّ عتيق..


نعيدُ ابتكارَ الحياةِ


نطوفُ بلاد الخيالِ..


ونسألُ عن أيِّ شيء...


لعلَّ بلادا تهاوت..


لعلَّ قصورا يداهمها الموجُ


أو شرفة هدَّها العشقُ..


أو فارسا ضاع منه الجوادُ..


يعودُ أبي..


يتفرَّق عني الأحبّةُ


أبقى أحدّق في الموتِ


والصمتِ والنار..


حتى يسود الرمـادُ..


كبرتُ على عجلٍ


ووقفتُ بباب الرجولةِ..


أحزنَني أنَّ سرب الطيورِ


بلا أجنـحة..


والأناشيد مبحوحةٌ


وجيش الفراش غدا أضرحة..


والقرى تختفي في حديث القرى..


والزقاقُ العتيق احتواه المـزادُ..


رأيت المكانَ يبعثر أشلاءه


والقصائدَ خجلى من الشعراء..


وأروقة مات فيها الرنينُ..


رأيتُ البلاد الفسيحةَ


أضيَقَ .. أضيقَ..


والأرضُ تحبو إلينا..


ويحبو عليها الجـرادُ..


*********


يا بلادي الفسيحة...


من أيِّ ثقبٍ أهرِّبُ وجهكِ مني...


لكي لا يكون انكساري مراياَ..


وأدفن في أي رملٍ نعامةَ خوفي...


إذا ما حريقُ النخيلِ


أضاء الزوايَـا..؟


أنا لا أموتُ..


ولا أستطيع الحياةَ


فأين يقيم المساءُ..


وأين تبيتُ العصافيرُ


والقلبُ من مطرٍ


واسمُكِ الحرُّ ما عادَ في الروح ناياَ..


نسمّي الغريب عدوَّ الديار


نسمي البلادَ البعيدة منفى...


نسمي الشهيدَ صديق الصغارِ


وحرفا فحرفاَ..


يموت الكلامُ


ويخبو النشيدُ


وتفنى الوصـاياَ..


كأنَّ خيامكِ يا أرضُ


ما امتلأتْ ذات يومٍ حكـاياَ..؟


فيا كأسُ كم قطرة تلزم الكأسَ


حتى تفيضي..؟


وكم زمزما يا رمال سيرويكِ


يا صاحبَ البئرِ


إنا عطشنا كثيرا


ودون الينابيع باب السرايـاَ..!


نريدُك يا سيدي سيدا للمقامِ


فدعْنا نحبّكَ أكثر مما تريدُ


ودعنا نقاسمُك الروحَ والجوعَ


حتى نصافحَ فيك المـلاكْ..


إن هذى الدمـاء دمـاكْ..


كيف تمنع عن قمحِك الريحَ


كيف تحايِدُ بين العروقِ


وبين الخلايـا..؟


سقطنا...


ونعرف كيف الصعود من الأرضِ


نعرفُ كيف الصعود إلى الأرضِ


نعرفُ:


غوغاءُ نحنُ..


ومُنفعلون...


ولسنا فلاسفة


علّمتنا البيادرُ حكمتها:


كل سنــبلة في ثـراكْ


يدلُّ على قمحها ساعداكْ..


*********


تضيق البلاد الفسيحة بي


وأنا واسعٌ


حد ما تشتهيه السمـاءْ..


ومُزدَحِمٌ بالشبابيكِ والشمسِ


حدَّ ما يزعم الشعـراءْ..


ولكنه الليلُ أمي..


ووجهكِ..


والدمع في مقلةٍ..


وجبينك يصفعهُ الغربـاءْ..


أنا مُتخَمٌ


يا عصافير قلبيَ بالحزنِ


ماذا نغني..


وها امتلأ الجوعُ بالفقـراءْ..!


دعينا نصلِّي قليلا لهذا الصهيلِ


فإنَّ الخيولَ الصغيرة تعبرنا


والدَّمُ الحرُّ يحتضنُ الشهـداءْ..