الطوفان

29/03/2016 - 2:01:18

الطيب طهوري الطيب طهوري

الطيب طهوري

شاعر وقاص جزائري، يعمل مدرسا للأدب العربي في التعليم الثانوي، نال عام 1995 جائزة مفدي زكريا المغاربية للشعر التي تنظمها سنويا جمعية الجاحظية الثقافية. له ثلاث مجموعات شعرية: "شجر العاصفه"، "أفراح صعبة"، "تمرين كنتِ.. وهذا دمي"، ومجموعة قصصية عنوانها "أغصان الدم".


أمد أصابع كفي لشعركِ


أفتح ظل المساء البعيدَ


أرى جزرا تتعددُ فيكِ


شواطئ نار تعانق فيَ الغبار / الدوار


أرى كف لينين تعلو


وسيزيف/ صخرته تتدحرج


تنزل كفي قليلا.. أوسدها عنق النهرِ


تنزل أكثرَ


أصغي لصمتك هذي الحدائق تأسرني


***


كانت النار من جهة في التراب ترش يدي


وكانت كما الماء كفك وهْي تسيح على شفتيَّ


وكان الهواء غطاء لنا في الغياب الذي جرنا نحو رمل الجنوب حرارتِه في الظهيرة حيث السراب الصدى


كنتُ فيك الكهوف التي تتلوى شهيقا


وكنتِ الكلام الذي يتدفأ بيَ ندًى، شجرا ذاهلا في الضباب


وكان المدى لحن هذي الأغاني التي ترتدين


***


أكثر تُنزلُني


نهدك الغيمُ.. والأرض مائلة جهتي نخلة تحضن الريح عرجونها الوتريَ/ يدي


عطش مالح شفتايَ.. وهذي الدروب التي تتوزع صدري دماء


أسمع اللهث هذا الرصاص الجثثْ


أسمع الناي فيك يوشوش ضلعي حريقا


وأسمع حواء تبكي


أشاهد من جبل الطور قابيل يمضغ أمعاءه


وهابيل يرمي على حجر الوقت ليل العماء


***


أشد الخطى سرة تتلألأُ


هذا السرير الذي أنت فيه المعاركُ


دبابة تتقدمُ.. أخرى تتيهُ


تطير العصافير زاعقة


وأرانب كفي ترج الحشائش ضائعةً في المدى


أقرِّب وجهي.. أرى الطفل ساقيةً من دم شاخبٍ


أقرب صدري.. أرى المرأة الحلبية نارا لبساتينِ تعلو


أقرب هذي الخطى سرعة الضوءْ روحي.. أرى جسدي جسدا جسدا جسدا يتواصل صفا بعيدا


أراني خياما على وجع الفخذينِ


وجوعا، عراء


***


أكثر.. أكثرْ


أسد الذي وسْط ناركِ بيَ


يلف صهيلك زندي


وها هودج يتقدمُ.. يرغي


ذئاب من الشرق تعوي


جِمال تجر مرابضها عنوة تتقدم أيضا


وبعض القطا


كان في الدمع هذا النحيبِ امرؤ القيسٍ


في الجمر آنية من نحاس صدئ.. حليب قليلٌ


وبعض من الخمر في الركنِ


تمر وماء


كان في الخمر موسى وعيسى وأحمدُ


هذا الغزال الذي هو لي رمل وجه الطريقْ


كان في العمر نبع الحريقِ


وفي التمر كان الغراب الذي جر تربته صخرة في المتاه على جثتي


 ***


 إيه يا ركبتيك.. أمد يدي


القطارات محشوة بالعبيدِ


الجواري يزينَّ ليل الجليدِ


البواخر نفط، دخان


وهذي الرياح التي تلبس الركض أحذية من سواد تحاصر فيَ قفاركِ


أنت المتاهُ


تجيئين لي جبلا من رخامٍ


وأصعدُ.. حافيتان هنا قدماي


وظلي حطامٌ


وهذا الصراخ الذي أنت فيه الأمام


***


يا لساقيك.. قلتُ


تنهدتِ


أسرعت فيك الحضور الغيابَ


وأشعلت في كتفيَّ الندى


كنت ترتعشين الصواريَ


موج من المد أعتى شحوبي


وجزْر تناسل فيك الهباء


سمك يمطر الآن زرقتهُ، موتَه في الجهات صواريخَ عابرةً


خضرة في الحصائد تمسى رمادا


حدائقَ ذاهلةً


خشبا يتكسرُ


قنبلة تتفجر هذا الصباح معابد، خلقا كثيرا


وطائرة تعبر الجو سهما يشق الصدور هنا ألف صدر على المنتهى جثتي


وألف من الجثث الضابحات التي أنت فيها الدماء


***


أكون الغريب .. كما أنتِ لي غربةً تتصاعد رعدا إلى شمسها الحارقة..                                                           أصابع رجليك في وهج الصهد حمَّى أفاعٍ تفيحُ على زرقة البحر حيث الأساطيل مملوءة بالسلاح السمومَ الزعافْ


قرشك الـ  يعبر الآنَ عجل من الذهب السامريِّ


وهذا الظلام اللحى تتجعد حلكتها في السيوف الصليلْ


قرشك النهدُ أو فخذ الريح تشعل صيف العويلْ


قرشك الـ يترنح ذات اليمين وذات الشمال الدليلْ


هكذا فسرت رئة الأرض أكسيدها


هكذا نسجت موجة البحر سجاد هذا الفضاء الملوثِ نهرا على جثث القاتلين


هكذا كنتِ فيَ القتيلْ


هكذا كنتُ فيكِ المعريَ


خففت وطئي


هناك.. هنا.. آدم الأرض.. حواءها


في السماء التي لا تَرى.. قمر شاحبٌ


وحروب تجر الحروب إلى هذه الأرض في كل حين


ربما. ذاك هو اليقين


ربما 


ربما.. ذاك كل اليقين


***


رعشة الثور كبرى


ضممتك.. كنت عنيفا


ضممتِ إليك دمي.. كنت أعنف مني


تصاعد موج المحيطات فيكِ


السماء كما الأرض غارت خرابا


كهوفك صارت هنا حيث هذا النواح الترابيُ ليل طويلٌ


هنا الرجم قابيلُ


سيف ورمح وترسٌ.. بنادق أو طائرا ت.. صواريخ شاهقة في الجحيم.. قنابل حارقةٌ.. ذرَّة في العناقيد.. غاز لخردل هذي الصحاري المدى


والخفافيش، العناكب نحن البشرْ


***


غرق العشبُ عشبَك يا جلجامشُ


قد متَّ قبل الطريق إليكَ


وفيك.. بكيتَ عليَّ


       بكيتُ عليكَ


وهذي النجوم التي تتوسد كف السماء الغريقة راجفة ترسل الآن أشجانها لعظام القبور التي تتوزعنا حجرا  للشواهد تعلو المكان


إنها الأرض مطوية في النحيبِ


الثلوج على جرحها تتراكمُ


والنار تحرق لوح السفائنِ


نوح بلا قدمين.. ولا جمجمة


إنه رجعنا في فيافي الصدى


والعيون، العقول هناك هنا مظلمه