سائلٌ سريعُ الاشتعال

29/03/2016 - 2:00:36

عبد القادر رابحي عبد القادر رابحي

عبد القادر رابحي

شاعر جزارئي، صدر له مجموعات منها "حنين السنبلة"، "الصعود إلى قمّة الونشريس"، "على حساب الوقت". كما صدر له كتاب نقدي في جزأين تحت عنوان "النص والتقعيد". أصدره له اتحاد الكتاب العرب بدمشق "مثلما كنت صبيا".


1-


قدْ يشْتعلُ السّائل


إذا انطفأت النّار..


قالها أبي البسيط..


غداة اقْتسام الرّيع


بيْن الإخْوة الأعْداء..


في بيْت المسرّات..


ومنذُ ذلك اليوم


وأنا أنظُرُ إلى الماء..


علّ فراسة الأب المترُوك


تخْرُجُ من بين الأجْداث..


وبيْنما أنا كذلك


وإذْا بعقارب اللّيل


تُعلّمُني كتاب الرّيح


كما روتْهُ الطّيور،


وتُريني ما لمْ تر العين..


2-


رأيْتُ مهْزُومين يرْفعُون شارات النّصْر


أمام الكاميرات الجائعة،


وأدْعياء منْ كُلّ الأنْواع،


أتْقياء يزْرعُون بُذُور الفتْنة،


وأنْبياء يُحاولُون إقْناع الجُمُوع الغفيرة


بدفْع زكاة الرّمادة،


وأغْنياء يمدُّون أيْديهم في الشّوارع،


ويتخاصمُون حوْل المكان الأكْثر إدْرارا


للدّينار السّهْل..


3-


رُبّما كُنتَ واحدا منهُمْ


أيّها المصْلوبُ في المرآة..


أوْ لعلّك مْنّا ولمْ نعْرفْك..


أو أنّك غيّرت قلبك


باتّجاه النّبضْ السّاخن،


أوْ أنّك تلعبُ معنا


وتُسجّلُ لهُمْ..


ما أغْرب  صمتك !!


أيّها الطّائرُ ذو الرّأْسين..


4-


ورأيتُ أعناقا تشْرئْبّ بانْتظار القنْص..


وزعماء شحّاذين..


وإسكافيّين بشارات النّبوّة..


وحُفاة يحْملُون أحْذية صفْراء


فوق رُؤُوسهمْ الطّريّة..


وتقدّميّين بأرصدةٍ صعْبة..


وثوّارا في أقْبية السّجُون..


ورأيْتُ أشباه رجالٍ..


وأشباه دُول..


وأشْباه شُعٌوب..


تُناضلُ خلف الشّاشات..


ورأيتٌ كُرة تلهُو بالجميع..


على مرأى من الأخت الكٌبرى..


5-


ورأيتُ فراشاتٍ يائسة


تدُور دورة الدّراويش،


ثُمّ تتّجهٌ لاختراق المرآة..


في سُرعةٍ الضّوء المٌطفأْ..


ورأيتُ عرباتٍ تجُرّها حوافر الرّيح..


وقصائد عشْق قديم..


لا تزالُ عالقة  بالتّراب..


تماما كما سيّدة الجُرح المُتّكئة على منْساة غُبارها..


6-


ورأيْتُ قنابل تنْفجرُ ببُطْءٍ


وجُثثا تتطايرُ بسُرْعةٍ..


وأشْلاء قططٍ فارسيّةٍ..


وأُخْرى مُدجّنة بلُغة الرّصاص


تمُوءُ في اللامكان..


7-


هلْ لديْك سبْعةُ أرْواحٍ


أيُّها المُناضلُ المشتّتُ في وعْي الطّبقات؟


تُواصلُ تعبئة الجماهير


في غفلة من الوطن المنهُوب؟


هلْ لديْك مُتّسعٌ منْ الوقْت


لتزُور أُمّك المسْجُونة في كُوخ التّاريخ


ثُمّ تعُودُ بلا معْنى إلى السُّوق..


من دٌون اقْتصاد؟


لا يمْلأُ عيْنيْك إلاّ سرابُ الإحالات..


هلْ لديْك الصّبْرُ الكافي


لتمُوت على مهْلٍ


أمام المرْآة المجْنُونة؟


8-


ورأيْتُ أسْرابا من النّحْل


تُطيحُ بما تبقّى منْ الرُّخام


فتطيرُ زرافاتٌ في السّماء،


وتحُطُّ بأجْنحةٍ منْ ضباب..


كأنّها الصّمْغُ الأزْرقُ


على صناديق الفضّة..


9-


توابيتُ في الطُّرُقات..


توابيتُ على أرْصفة الطُّرُقات..


توابيتُ في مسارات الفتْنة..


توابيتُ في ملاعب الجولْفْ..


وفي قاعات التطْريز..


حيْثُ تربُضُ النّساءُ


ساعاتٍ طويلة


في انْتظار الفُسْتان الغامر


لأميرة المُنْتجعات الوهْميّة..


.....


لمْ يكُنْ حين ذاك


إلاّ الانْحناء


أمام غصّة الوقْت..


10-


يأْكُلُ القطُّ الجائعُ


رأْس السّمكة ذات العيْنيْن الزّرْقاويْن..


ويتْرُكُ الجُثّة للإخْوة المُتقاتلين


في ساحة الوجْد الصّامت..


ها أنْت تسْتيْقظُ منْ الحياة،


كأنّك الشّجرةُ الملْعُونةُ..


ها أنْت تعُودُ إلى الموْت


واقفا على أشْرعة الرّيح..


تسْمعُ الاسْتراقات


وتُلطّخُ مسارات الغبْطة..


كُلّما جاءُوك من الوادي المالح


تصبّبتْ غيْماتُك،


وتنامى فيك الخوْفُ الغامرُ..


كأنّك الإسْفنْجةُ المُلْقاةُ على عاتق الأحْجار..


كأنّك النّائحة المأْجُورة


في عُرْس الذّئاب الجائْعة..


11- 


ورأيتُ كثيرا من الغُبار الدّامس


يغْمُرُ آكلي عرق الفقراء..


المُتهافتين على دكاكين السّحت


تحْلبُهُ الذئْبةُ منْ ضرْع الأساطير..


وهي تنهشُ لحْم المحْرُومين


وتعْصُرُ أثْداء السّيّدة العاقر..


في ماعون من العاج المثْقوب..


لا دم في وفاض الجُرح..


لا سمن في بياض الحليب..


12-


هكذا كان الوقْتُ..


وهكذا كانت التّواريخُ


في تلْوين السّجاجيد الملْويّة


مُنْذُ افْتراش الجُرح


بباحات الأرض الملْساء..


منْ شدّة احتكاك الملْحين..


هكذا تنبتُ الأنهار..


في الجسد المشحُون بالكهْرباء..


13-


لا تعدْني بغيْر ما تسْتطيع..


ولا تسْألْ عنْ هفوات الأرْض..


قدْ تفْتحُ اليرقاتُ


مفازات الجُرْح النّائم..


فلْنفْتح العُلْبة السّوداء..


ولنذْهبُ معا إلى يوْمٍ أوْضح


ممّا رأيناهُ في نشرات الأخبار..


14-


هكذا أحْسن..


لا تجُرّني..


ولا أجُرُّك..


لنْ يقود أحدُنا الآخر..


كُلُّ واحدٍ في طريقه


إلى سيّدة الأنْفال..


حيث بقايا العشق الغارق


في وحْل الرّياح الماطرة..


15-


ورأيتُ فتية تحت شمسٍ صفْراء..


يرْتدون ألبسة تُركيّة..


يحْملون زُرناتٍ ينفخٌونها بأفواههمْ..


فتخْرُجُ منْ أسفل الجلد..


ريحُ موسيقى عاصميّةٌ


تتمايلُ على رتابتها الباردة


سيّدةٌ خرْقاءُ،


ثُمّ تُحيي بحرارة الفقدْ..


جُرح ابنها الوحيد..


دهستهُ آلةُ الحرب


في ربيعٍ إيْديولوجيٍّ أعمى..


كلّما ازداد النفخُ في زُرنةُ الوجع الصّارخ


ازدادتْ العينان التهابا..


كُلّما ازدانتْ الشّرفاتُ العمياءُ بالورود..


تعانق المحبّون..


في هجْعة اللّيل المُظلم..


كُلّما عاثتْ في القلب السُّلحفاة


مات الحشيشُ الموعود


في مراتع النّياشين،


و مواجد الطّقوس اللّيليّة...


16-


يتوارى الوطنُ النيء


كما تتوارى الملذّات


في عُيُون الفُقراء..


يتوارى الغارقُون في الوحْل


كما يتوارى الشّكُ النّازفُ في متاهات اليقين..


يسْرقُ الجدارُ الأعمى سرّ العتبات من النّهار..


تسْقُط العصافيرُ الخضْراءُ


في مجازات التّحْليق


17-


لا شيْء في الأفُق الدّامس


لا شيْء في النّفق المضيء..


لا شيْء  في العُبُوٍر المُسْتنير


بأكاذيب الحياة..


18-


مجرّد أرْدية بالية..


مُجرّدُ يافطاتٍ مسْكوبة


في حنطة الزّرع المغشُوش..


شعاراتٌ جوْفاءُ..


قصائدُ من حبْر البياض..


ستائرُ منْ نيْلُونٍ مُكرّرٍ..


وأرْديةٌ وسخةٌ


تتباينُ فيها الألْوانُ


ويسْكُنُها زمْهريرُ المجْيء


إلى مائدة الوطن الباذخ..


 ...


[قدْ يشْتعلُ السّائل


إذا انطفأت النّار..]