مرايا الفجيعة

29/03/2016 - 1:55:58

محمد الأمين سعيدي محمد الأمين سعيدي

محمد الأمين سعيدي

شاعر جزائري له ثلاث مجموعات: "أنا يا أنتَ"، "ضجيج في الجسد المنسي"، "ماءٌ لهذا القلق الرمليّ"، وصدر له في النقد: "شعرية المفارقة في القصيدة الجزائرية المعاصرة"، وكتاب مشترك بعنوان "السرد والصحراء" مع مجموعة من الكتاب والأكاديميين.


كان حُزْنا عَمِيقا


وَجُرْحا يُعَلِّمُ نَبْضِيَ أَنْ يَتَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِ العُمْرِ


أَنْ يَبْتَدِي سُبُلا فِي مَرَايَا الغِيَابِ البَعِيدِ


وَأَنْ يَتَغَرَّبَ عَنْ جَسَدِ الأُمْنِيَاتِ


كَمَا فَرَحٍ يَتَأَبَّطُ خَوْفا عَتِيقا


وَيَمْضِي إِلَى الهَاوِيَةْ


كَانَ حُزْنا حَكِيما


يَرَى فِي الَحيَاةِ الممَاتَ


وَفِي الجُثَثِ المسْتَبَاحَةِ بِالذِّكْرَيَاتِ احْتِمَالَ قِيَامَتِهَا


وَيَرَى فِي اخْضِرَارِ السَّنَابِلِ صُفْرَتَهَا الآتِيَةْ


لمْ يَكُنْ غَيْرَ حُزْنيَ


ذَاكَ الذِي عَلَّمَ اللَّيْلَ أَنْ يَنْحَنِي خَاشِعا لِلْبُكَاءِ


وَأَنْ يُشْبِهَ النَّجْمَةَ الذَّاوِيَةْ


لمْ يَكُنْ غَيْرَ حُزْنِي


وَقَدْ أَتْرَعَتْهُ النِّهَايَاتُ بِالحِكْمَةِ المشْتَهَاةِ


فَعَادَ وَحِيدا


يُسَائِلُ هَاءَ السَّمَاوَاتِ عَنْ سِرِّ حَسْرَتِهِ


عَنْ عَوِيلِ الرَّصَاصَةِ فِي صَدْرِ طِفْلٍ بَهِيٍّ


عَنِ السَّيْفِ يَلْعَنُ حَامِلَهُ وَيُهَدِّئُ رَوْعَ القَتِيلِ


عَنِ الدَّمِ يَجْرِي شَرِيدا كَمَا أُغْنِيَاتِ الحُرُوبِ


وَعَنْ دَمْعَةِ الأُمِّ تَسْقِي فَمَ الأَرْضِ بِالملْحِ


وَالحُرْقَةِ الضَارِيَةْ


كَانَ يَسْأَلُ مُحْتَرِقا كَالأُفُولِ


وَفِي قَلْبِهِ صَوْتُ مَنْ غَادَرُوا جِهَةَ الوَعْيِ


وَارْتَحَلُوا فَوْقَ كَفِّ المتَاهِ إِلَى عَالمٍ آخَرٍ


لاَ تَرَاهُ المسَافَاتُ


لاَ كَائِنَاتُ التَّجَلِّي


وَلاَ فِتْنَةَ الاسْتِعَارَاتِ حِينَ تُدَاعِبُ غَفْلَةَ إِحْسَاسِهِ


لاَ يَرَاهُ الجُنُونُ


وَلاَ العَاقِلُ المحْتَرِسْ


هُوَ فِي آخِرِ الأَمْرِ مَأْدُبَة الانْتِهَاءِ


وَأُرْجُوحَةٌ فِي يَدِ الغَيْبِ غَاضِبَةٌ


يَتَخَفَّى


فَيَلْمَحُهُ العَابِرُونَ بِلاَ جَسَدٍ - وَبِلاَ سَبَبٍ وَاضِحٍ - فِي الفَنَاءِ


تَرَى ظِلَّ أَشْجَارِهِ النَّائِحَاتُ اللَّوَاتِي اخْتَبَرْنَ الرَّحِيلَ


وَيَشْتَمُّ أَنْفَاسَهُ القَبْرُ وَالوَجَعُ المفْتَرِسْ.