بعض ما أدريه

29/03/2016 - 1:51:31

ميلود خيزار ميلود خيزار

ميلود خيزار

شاعر وناقد ومترجم وكاتب مسرحي، أصدر ثلاث مجموعات شعريّة: "شرق الجسد"، "إنّي أرى"، "أزرق حدّ البياض". لديه مخطوطات قيد النشر منها ديوانان: "ثلاث ليال لمنتصف النّهار"، "كتاب الرّماد"، ورواية "سكيزوفرينيا".


    أَدْرِي... على كُمّ القصيدةِ سَوف يَمسحُ شاعرٌ مُتعثِّرُ الأدواتِ أنفَ سؤالهِ المرَضيّ: أينَ قرأتُ هذا؟ أو يُعلِّقُ عطرُ أُنثى (كِدتُ أَعْرفُها) غُلالةَ ظِلّهِ الشفّاف، أو تَمضِي القصيدةُ هكذا، معصوبةَ العينيْنِ، مِثل خطيئةٍ لمْ أَرتكبْها... ثُمّ إنَّ الوقتَ لا يَكفي لِشَرحِ مَبادئِ التأويلِ،،، تَكفي جوقةُ الغِربانِ كيْ تَتعلّمِ الكلماتُ أينَ تَدسُّ جُثَّتَها... ويَكفي كلُّ هذا الرّملِ كي تقف الرّياحُ على الحقيقةِ: لم يَعدْ ضوءُ القصيدةِ هُدهدًا في هذهِ البيداءِ... لمْ تَعدِ القصيدةُ بيتَنا الأبديَّ... فانْسحِبوا إلى جِهةِ العَماءْ.


    أَدْرِي... يَقولُ العازفُ الجوّالُ، إنّي سوفَ أختبرُ المياهَ بما تَبقّى من بُذورِ أصابعي، ولوَ أنّ سيّدةً ستسقط فجأةً عَطَشًا وجوعًا، أنّ طفلا مّا سيُقتلُ، لوْ نَسيتُ أصابعي في الماءِ، أنّ حديقةً بجمالِ أغنيتي سَيُوصَدُ بابُها الذّهبيُّ في وجهِ الطّفولةِ، والطّفولةُ أنّني أَتفقّدُ النّسيانَ حينَ يسيلُ ضوءٌ مّا مِنَ القيثارةِ العمياءِ، أنّي أَدْفِنُ الإنسانَ في رؤيايَ، محمومًا بمَعنى البرْدِ، لكنّي سَأعزفُ، رغبةً بالموتِ مِثلَ بقيّةِ الأحياءِ، مِثلَ غمامةٍ وقفتْ على عَطشِ السّؤال ولمْ يَعدْ في وُسْعها فهمُ السّماءْ.


    أَدْرِي... بأنّ الماءَ لا يَرثُ الحُقولَ، ولا يَبيعُ غِلالَها، لكنّهُ يَهبُ التّرابَ ملابسَ الأعيادِ، يَخرجُ عاريًا كالقمحِ من بيتِ الحَصادِ، وليسَ في عَيْنيْهِ دمعةُ حَسرةٍ، يَكفيهِ أنْ تَتمثّلَ الأوركيدْيا نَزَواتِهِ، يَكفيهِ مُنحدرٌ ليركُضَ في اتّجاهِ المرْجِ، مُرتبكَ الخطى، تَكفيهِ موهبَةُ الحجارةِ كي يَصيرَ كمنجةً مجنونةً، يَكفيهِ ساقُ صبيّةٍ ليُصابَ بالحُمَّى وتَرقصَ في مَرايا وَجهِهِ القَرَويِّ آلافُ النّجومِ، وربّما يَكفيهِ مِعطفُ غابةٍ عَدَميّةٍ لينامَ في حُضنِ الشّتاءْ.


    مُتوسّدا حُلُمي، ورأسي طوعَ غَيمتهِ، وحَتمًا لم أفكّرْ في اتّجاه الرّيح، نامتْ ليلةٌ محمومةٌ بثيابها قُربي، بكلِّ غلالِها، قمرٌ مريضٌ بابتسامته توقّف عِندَ نافذتي، كعادةِ جارنا السكّير، قال تحيّةَ المنفَى وغنّى سِرّهُ: "مَن كنتُ زينتَها تُرى، في أيّ حُضنٍ سوف يُدركُها نبيذُ الأربعينَ؟"، رأيتُ أنّي كنتُ بين المَشْيِ والطّيرانِ، تَحضُنُني كمنجةُ ما يُسمَّى الشِّعرُ، شيءٌ مّا برُوحِ العيدِ كان يَطوفُ بي بين القُرى، ويقولُ: نعمَ الحُلمِ لو يَكفي لتأويل العَماءْ.