الشّعر الجزائري: ألغام السّياق وأسئلة النّسق

29/03/2016 - 1:41:45

أزراج عمر أزراج عمر

ميلود خيزار - كاتب وشاعر جزائري

1-     الإعاقة الرّمزية المركّبة


    ينطلق الشعر الجزائري (المكتوب بالعربيّة) من نسق لا يشترك فيه وبقية التجارب الشعرية العربية (متمثّلا في حدّة وعمق الدمار الذي حدث في المنظومة الرمزية للشعب الجزائري وعلى رأسها اللغة العربية أثناء الفترة الطويلة للاستعمار الفرنسي).


    هذه "الإعاقة" التي ضربت في العمق نظام التمثل والتجريد... عطّلت وظيفة" الدال" وجعلت من الإنسان الجزائري "معاقا دلاليا". إلى هذا "اليتم اللساني" سينضاف مع تراكم التاريخ "يتما نفسانيا" يمثله "العجز عن التعبير والتواصل" نظرا للمسافة الصحراوية التي امتدت بين "جزائر" الشعور والتصوّر والتعبير. (هذا الوضع موجود أيضا في المغرب الشقيق... ولو بشكل أقلّ حدّة... ولأسباب تاريخية معروفة). هكذا استشرى "يتم اللسان" في جسد الهوية وامتدّ إلى "يتم الكلام"... ولا تزال ألغامه تنفجر من حين إلى آخر كلما أطلّ سؤال الهوية برأسه على مشهد الحراك الإيديولوجي أو كلما "حركت الامبريالية الفرنسية" بعض دماها الداخلية المشدودة  بإتقان إلى أنامل "ماريان" الرّشيقة.


    مورست على إنسانه أبشع أشكال العنف الرمزي والمادي... ولم يكن بوسع المنظومة الفقهية الناجية (التي آوت غربة اللسان العربي) أن  تكفّ تراجع قيمة "الجمال" شعريا ولم يكن بوسعها احتضان "لغمه". (حتّى أن النشيد الوطني الجزائري لم ينج من هذا الأفق الفكري المغلق... بنيةً وتعبيرا).


    لم يكن النص وحده عموديا (حدّ الانتصاب) بل الشّعر أيضا، فارتطم "الكلام" ببُني وانساق غارقة في جحيم "عالم مكتمل" (عمودية البناء رافقت عمودية الفكر والتعبير والرؤية)... بمستوى أقل جماليّة بكثير من ذلك الذي تدّعي "الانتساب" إلى منظومته وتدافع عنها). (محمد العيد الخليفة، مفدي زكريا، صالح خرفي، محمّد لخضر السائحي، كنماذج صارخة). فيما كان المشرق يصغي مليا إلى ما يعتمل في رحم السؤال الشعري: جماعة أبوللو (ومنها صوت أبو القاسم الشابّي)، وتجربة شعر المهجر وجبران.


    طوال فترة الوجود الكولونيالي (ولعشريّات تلتها) ظل النص الشعري منخرطا في "هواجس" ليس للشعر في جوهرها نصيب"، (بتعبير الجرجاني). وكان (في أرقى تجلّياته) "وسيلة" نضال، أداة إصلاح، عريضة احتجاج، جسرا "افتراضيا" إلى "جنّة الإصلاح"، خُطبة حريصة على أن لا تتحوّل "خيمة المجاز" إلى "حديقة سؤال" مفتوحة على التجريب والمغامرة ومواجهة برد التاريخ وغبار المعنى ورماد الحياة.


2-     التّقليديّة.. من الدّرجة الثّانية


    كان سؤال النهضة والإحياء سؤالا تاريخيا وجيها يصفع هذه "الذات" المخرّبة لكن الأجوبة ظلت تقليدية وجاهزة خصوصا وتصدر عن منظومات ومؤسسات فكرية ودينية لا تثق في المستقبل ولا تملك جرأة المراهنة عليه إضافة إلى اهتراء بنيتها وماضويّة خطابها وغرق قاعدتها في أمية عمياء في مواجهة كل ذلك الخراب الذي يقوم به الغول الفرنسي... لذا انكمشت الأسئلة على مَهمة "استعادة النّماذج".


   وانطلاقا من انتمائه إلى هذه المنظومة ابتلع الخطابُ الشّعري التّقليدي طُعم أوهام "النّهضة" و"الإصلاح" و"الاستقلال" دون أن يلتفت إلى عمق "غربته التّاريخية".. وحدّة التّمزّقات التي أحدثتها المسافة الصحراوية بين هوية ضائعة وتاريخ لا يرحم. وفي صورة العداء المفتعل بين الرّوح والعقل داخل بيت الجسد المتآكل.


رحِم اللهُ معشر الشّهداءِ... وجزاهم عنّا كريمَ الجزاءِ


واخلفوهم بالصّدق في خدمة الشّعب وفي أهلهم وفي الأبناء (محمّد العيد الخليفة)


    هذا نموذج لذلك الأسلوب التّقريري المباشر الذي ساد وسمّى شعرا.. مستمدّا شرف شعريّته من شرف موضوعه وسلامة وزنه وهو نظم خالص لا نصيب له في ماء الشّعر.


    هناك "أدباء" يعتقدون أنّ النصّ الشّعري يستمدّ "شرعيته" من الموضوعات "الشريفة" التي يتناولها (الوطن.. الشّهادة.. الحرية) ومن مواضيع أخرى تبدو "محايدة" (الجمال.. الرّبيع.. الأمّ) ومن أخرى "غير شريفة" بالمرّة (الحبّ.. الجنس... الجمال.. الذّات).


    وبغضّ النّظر عن "سطحية الرؤية" وعن الثقافة التي ألقت ببردة هذا "الشّرف" على كتفيّ كتابة، ونزعتها عن أخرى، فإنّ هذا الفرز "الإيديولوجي" يكشف بحدّ ذاته عن البنية الفكريّة للكاتب ورؤيته لعلاقة الكلام بالعالم. إنّها رؤية تعتقد أن الشعر مثلا هو التّعبير عن مواضيع "شريفة" بالكلام (العالم) بينما الشّعر هو في الحقيقة "تعبير شريف" عن "المواضيع" فمصدر الشرف ليس "ما يقال" بل "كيف يقال". فبمنطق الشرف هذا تعدّ وتدرّس كلّ نماذج المقررات التربوية وبمناهج تعود إلى عهد الجرجاني (من أوّل إلى آخر درس في الأدب). بشكل سيبدو فيه لاحقا كلّ أدب حقيقي "إساءة أدب" لهذه المنظومة الشّريفة "موضوعا".


    هكذا تتمّ "شرعنة" النّصوص من "خارج السّؤال الشّعري" بانتهاك كلّ شروط الشّعريّة.


   هذه الغربة كانت قاسية على وعي أصوات حاولت كسر "الإبريق السّحري" للكلام وتعكير  "الصّفاء الموهوم للكورال": أبو القاسم سعد الله (مؤرّخ) ومحمد صالح باوية (جراح عظام).


   ومن الغريب أن تحدث هذه الرّعشة التجريبية الأولى في نصوص"جنوبيّة" بالنّسبة للجغرافيا الثقافية الجزائريّة ومن صوتين جاءا الكتابة الشّعرية من عالميّ التّاريخ والطبّ.


   ومن الغريب أيضا أن يكون أوّل نصّ حرّ (تفعيلة) لشاعر لم يدّع يوما أنّه كذلك (أبو القاسم سعد الله) فهو أكاديمي تخصّص تاريخ:


يا رفيقي...


لا تلُمني عن مُروقي


فقد اخترتُ طريقي!


وطريقي كالحياةْ


شائكُ الأهداف مجهولُ السِّماتْ


عاصفُ التيّار وحشيُّ النِّضالْ


صاحتِ الأنّاتُ: عربيد الخيالْ


كلُّ ما فيه جراحاتٌ تسيلْ


وظلامٌ وشكاوى ووُحولْ


تتراءى كطُيوفْ


من حُتوفْ...


يا رفيقي.


    ونقرا للشّاعر محمد صالح باوية من قصيدة "الرحلة في الموت":


.. لكنْ ...


يزول الظلّ في الأشياء،


تهوي بدداً كلّ الصّفات...


كلّ الصّفات


في جرّة الصّبر... نداءُ النّحل


ماتْ


في ثدْيها،


نهرُ الهوى جفّ... وماتْ


يا... يا أبي...


في جرّتي،


عشعش ليل البُوم، والطحْلبُ،


آهٍ... يا بقايا الأغنياتْ


عشعش... يا أعوامنا...


آه... فما أقسى سجون الكلمات.


3-     السبعينيات.. الكورال الايديولوجي


   وباطّلاعه على تجارب "رواد الشعر العربي" الحديث وعلى بعض تجارب الشعر العالمي (اليساري والثوري تحديدا)... حاول خطاب "السّبعينيات" تجاوز هذه "العموديّة" المتعالية عن التاريخ (بوصفه "منجزا") ولكنّه وقع في شرك "الإيديولوجي" (في تناغم مريب مع الصوت السياسي الاشتراكي الحاكم) وحاول "الرقص" على إيقاع التحوّل الاجتماعي "الظاهري" على حساب "السّؤال الشعري" الذي تمّ اختزاله في الشكل لا التّشكيل، وفي الإيقاع لا الرؤية، ولو أنّه نجح في خلخلة "الهيكل العظمي" لنصّ شعري بدا "خارج مجال السؤال "الشّعري". هكذا تأسّستْ هذه الحساسية وأسست "لمشروعيتها" الذي ظلّ مرتبطا خطابيا بمصير "المزارع النموذجية" و"عمّال شركة سوناكوم" وقاموس الرّمزيات المنهكة دلاليا وجماليا.


    وعرفت المرحلة شيوع أصوات كثيرة مثل: سليمان جوّادي، ومصطفى الغماري، وعمار بن زايد، وعبد العالي رزاقي وأزراج عمر ومحمد زتيلي... وإدريس بوذيبة وحمري بحري وأحمد حمدي وزينب الأعوج وعبد الله حمّادي.


    ظلّت الصّورة تستعير أثاثها من سوق "الوظائف التقليدية" للتّشبيهات والمجازات والصّيغ (لتحدث الأثر ذاته وبالتّالي تعيد إنتاج المعنى ذاته وكأنّ التّاريخ توقّف عن الحركة.. كأنّ الحياة توقّفت عن النبض في بادية ما من بوادي العراق أو شبه الجزيرة).


    ينطبق الأمر على الاتّجاهين الإيديولوجيّين على حدّ سواء: فمقابل المناجل والعمال والفلّاحين وصور البروليتاريا نجد الاستحضار الإسلامويّ للأسماء والمواقف والأحداث، فيما يشبه استحضار الأرواح و"الانتصار" لرّمزيات" تاريخية، منهكة الإشارات، دون مساءلتها وغالبا ما يتمّ ذلك بشكل آليّ وبيقين فكريّ سطحيّ ومسطّح جعل النصّ يبدو "كصوت مُؤجَّر" "كصدى" باردٍ وجافّ ومرتبك... لصوت سياسيّ يصدر من خارج غرفة الشّعر.


    لم يكن بوسع كلّ تلك "الأشواق الإنسانية" النّبيلة أن تتحوّل إلى أصوات شعريّة أصيلة لأنّ الشّعر كان سؤالا ثانويّا في حقل رؤاها.. لأنّ "الفكرة" كانت مركز وهاجس الكتابة بينما تراجعت الخاصّية الأساسيّة للفنّ "الجمال" بمعنى أنّه لم يكن هو مصدرَ وأفقَ النصّ بل الفكرة.. وهكذا انتصرت الإيديولوجية "لجمال الفكرة" على حساب "فكرة الجمال".


    ولم تفلت من قبضة الوهم الإيديولوجيّ سوى أصوات قليلة جدا مثل أزرّاج عمر، وبشكل أقل حمري بحري ومصطفى الغماري.


4-     خطايا الإعلام والسّياسة (صناعة الأسماء المستعارة)


    الكلّ يعرف "الحرب" التي يشنّها اللّوبي السّياسي (الموالي في عمومه لصوت "ماريان") انطلاقا من جريمة ال"إسقاط" ل"عقدة" التخلّف والبداوة على كلّ ما هو "عربي أو معرّب" ولطالما أسهمت الكثير من " البلادات السّياسية" في تشجيع وتكريس هذا الخطاب "المعادي" مثل عبارة أحدهم في خطاب شهير: "هذا كلام شعراء" وفي تعليق لآخر: "ثقافة قل أعوذ". لكن ليس هذا وحده ما يفسّر اتّساع الصّحراء (استعادة لعبارة الفقيد بختي بن عودة) بين الفاعلين الأساسيين: الكاتب والمتلقّي.


    صحيح أنّ الحرف العربي ظلّ في عمومه وفيّا لقاموس الاكليروس واللّاهوت وأنّ هامش التاريخ الإنساني فيه لا يزال مريبا ومشبوها، ولكنّ الخطاب الإعلامي بدوره لا يزال بعيدا عن استيعاب ومتابعة ما يعتمل في واقع الأدب وبخاصة في الشّعر (كلّ شيء هنا يحارب الشّعر بدءا بالسّياسي البليد وانتهاء بالصّحفي المبتدئ الباحث عن ضوء له في غبار صراع المواقع.. فمعظم المهتمّين بالشأن الأدبيّ هم بالأصل أدباء وكتّاب وشعراء). كلّ المحاولات الإعلاميّة التي بدت جادّة سرعان ما تعثّرتْ وانكسرت ولم تتأسّس بعد تلك التّقاليد الإعلاميّة الأدبيّة التي تحدث التّراكم وتؤوي "عائلة الكتابة الأدبيّة" من برد "النّكران"، وتحضن الأصوات القادمة من المستقبل.


    في غياب إعلام ثقافيّ متخصّص وفي خضمّ الصّراعات التي لا تعني الهموم الأدبية الخالصة "تتطوّع" بعض الأقلام و"تغامر أخرى" ولكنّها سرعان ما تنكسر جميعُها على صخرة "البنية الثّقافية-الاجتماعيّة "التّقليديّة" أو حجر الخطاب "المستلب ثقافيّا" حدّ التّلويح بالتكّفير من جهة والتّصفية الجسديّة والرّمزية من جهة ثانية.. يحدث كلّ ذلك في بيت نظام سياسيّ يبحث له بطرق "خبيثة" عن شرعيّة مفقودة وعن تاريخ "بوثائق مزيّفة".


3 -  أهل "الأعراف"


    بوصول "الحساسية السّبعينية" إلى حدودها القصوى وتزامنا مع انهيار "المقولات المؤسّسة" لخطابها كان لزاما على هذه الرؤية أن ترتطم سريعا بالجدار البارد للتاريخ  وتتحسّس جسدها  يتلاشى.. وكان لزاما على صدمة الوعي تلك أن تجد لماء النصّ "مسارات" أخرى لمعانقة أشواقها الإنسانية وضمان "الانتقال" إلى حديقة البيت الشعري وهذا ما تمثّلته أصوات مثل: عيّاش يحياوي وعاشور فنّي وعثمان لوصيف وبوزيد حرز الله وعيسى لحيلح وعلي ملّاحي.


بدتْ النّصوص أكثر  وعيا بسؤال "الشّعريّة"، أكثر نضجا بأسئلة اللّغة و الكتابة و أكثر حرصا على منح فسحة اكبر لهامش الذّات و الوجود و الجمال. لكنّ "عامل" اللّغة ظلّ مهيمنا على "فسحة الكلام"، الكلام الذي تنتجه "مفارقات" اللّغة ذاتها " كمختبر" للاشتغال الشّعري. لكنّها لا تغامر ابعد من سياج "الحديقة السّاحرة"، إلّا نادرا.


 من نصّ "صــدى الأجــــــراس الصــامتــــــة"


شعر: لخضر فلّوس


البرُّ برُّكَ لو تشاء طويته


والأفق أفقك


لو تشاء زرعت فوق عمامة الشمس المريضة زهرتين


من أين ناداك البهاء


فجئت ملتهبا يداك على مفاتيح البدايةِ


تحمل السر المقدس؟..


ـ هل قطعت بحارها؟..


والبر برك لو تشاء جمعت بين الشاطئين!


هل نشوة الوطن المتوج ما أُحِسّ


أم الكواكب أعلنت أسرارها حتى تصاعد من ترابك


ما تراه كقطرة الماء المطهر


فوق برعم نجمتين؟!


كيف اتَّحَدْن ولم تكن لك آية بين المعارج؟


أم تراك تهز رأسك كي تعلم


مهرة القمر الحزين مدارها..؟!


كيف اتحدن؟!


ألا ترى ثوب الغمامة حين يفصل


بين عينيْ عاشقين؟!


الآن يكتمل النصاب وسوف يأتي عاشقي


كي يجمع الطين القديم


ونلتقي رغم اشتعال البرزخين،،


كم كان إيقاع القصيدة محرقا.


شعريّة ما بعد ال88


     ما تقوم به السّلطة (بطرق شتّى) من انتقاء "لممثّليها" من الشّعراء في التّظاهرات الدّوليّة باسم الجزائر (منذ الدّور الذي كان يلعبه اتّحاد الكتّاب "كمنظمة جماهيرية" في "إحصاء" و"مراقبة" تمثيل الصّوت الشّعري الجزائري في الملتقيات والمهرجانات العربيّة والدّولية). أو "بانتداب" مُوالين لها من "المحيط الأدبيّ" للقيام بهذا الدّور. وكان أن دفع الشّعر الجزائري المختلف"ثمنا باهظا" لذلك (ومنه نشأة وترسّخ هذه الصّورة الباهتة والمشوّهة لدى القارئ العربي عن تجربة الشّعر الجزائري الحديث تحديدا).


   تجد تساؤلات النّقد الثّقافي مبرّراتها في "تعدّد الأزمنة الشّعرية الجزائرية" وفي الكشف عن علاقة النصّ بالسّياق انطلاقا من ملاحظة تقاطع هذه الأزمنة وتعايشها "المنافق" وانعكاس المرجعيّات السّوسيو-ثقافيّة في مرآة مشهد الكتابة بشكل يدعنا نعتقد أنّ هناك أسئلة كثيرة لم تحسمها هذه التّجربة الشّعرية، وأنّ آليّة "الاستعادة" لم تزل تهيمن على الوعي الثّقافي وبالتّالي على القيم الفكريّة والجماليّة.


    تضاؤل أدوات ومناهج الممارسة النّقديّة الأكاديميّة وارتباكها عند مشارف النصّ الشّعري وبشكل غريب عند عتبات النصّ المعرّب الحديث (دراسات خجولة أغلبها "تطبيقات مدرسيّة" لنماذج غير تمثيليّة). إذا استثنينا جهود الدكتور أحمد يوسف في "يتم النصّ أو الجينيالوجيا الضّائعة" أو الدّكتور محمّد ناصر  في "الشّعر الجزائري الحديث" أو  الأستاذ أحمد دلّباني في "مأدبة المتاهة" و"سفر الخروج".


    لقد انتهى الشّعر "الكورالي" حيث ظلّ يختفي صوت المبدع و"يخفي عوراته" في صوت "الجماعة" أي همومها وانشغالاتها التي ليست بالضّرورة "هموما شعريّة". في الصّوت "الكورالي" ينطمس المتميّز ويختفي إبداع الفرداني.


    الصّوت "الكورالي" هو أيضا "نصّ الأيديولوجيا" بامتياز، حيث لا صوت يعلو فوق صوت "المجموعة"ـ حيث "الفكرة" هي مركز الكلام بينما الجمال (ثابت الهوية الشّعرية) هو مجرّد هامش أي ديكور.. وهذا موقف مضادّ لماهيّة الشّعر ذاته، وللفنّ عموما.


    إنّ النّصوص المؤدلجة "الكوراليّة" ستظلّ تعبّر عن جمال الأفكار التي تهبها شرعيّة وجودها ولذلك ستبقى نصوصا "مناضلة" بينما سيظلّ الشّعر يعبّر عن فكرة "الجمال" لارتباطها بهويّته الفنّية.


    على الشّاعر أن يواجه وبكلّ صدق بحّة صوته وقوّة رياح التّاريخ معا.. عليه أن يعرف أنّ الشّعر كان دائما أعزل وأجرب، وأنّ الكتابة الشّعريّة هي هذا "الخروج الواعي" عن نظام الكورال.. هي مواجهة هذا الوعي المأساوي لأسئلة الكيان والمعنى والمصير.. بجمال الكتابة وحدها. عليه أن يحتفي بموته كما يحتفل بانتصاراته الصّغيرة العابرة عند كلّ نصّ ينطفئ وآخر يضيء.


    عليه أن يدرك أنّ وطنه هو "الشّعر" وما عداه هو المنفى.. عليه أن لا يلتفت إلى تماثيل الملح التي تصنعها فضاءات التّدريب على تقنيات الكورال (كمخابر اللّغة والنّقد وطُعم الجائزة).. عليه أن يعرف بانّ هُويّته هي هذه "الشّعريّة".. وفقط.


    الحياة ليست جميلة وليست لعبة وليست ممتعة ولا قيم لها في ذاتها. ما يمنحها كلّ ذلك هو فنّ الإنسان ولا شيء يبقى من الإنسان أكثر ولا أعمق من الفنّ.. الفنّ كأرقى أشكال التّجريد وكأنقى حالات تجلّيات الوعي العميق بالكينونة.


    كثيرة هي الأصوات التي حاولت تجاوز مرحلة تمثّل واستحضار منجزات الآخر وإعادة "تدويرها" في واقع مغاير وقد أدركت أنّ الحداثة روح ناريّة يؤجّجها صراع إنسانيّ مرير للإفلات من قبضة التّاريخ ومصير الموت والتّلاشي.


    بدا التّحرّر "الفعلي" من "عموديّة الهيكل المعدني" للقصيدة (أي من عموديّة الرّؤية الشّعريّة وبالتّالي من الغيبوبة التّاريخيّة) وظواهرها الصّوتيّة إلى أسئلة المعنى والوجود والمصير التي تؤرّق الكيان الإنساني في مواجهته للعراء التاريخي بكلّ هذا الوعي الفادح والشّقيّ.


    أخذ النصّ مكان القصيدة. وأخذت الكتابة تبني بيتها الهشّ على خراب الخطابة واستولى الحُلم والحدس والتّداعي والتأمّل على مفاتيح الحقل الدّلالي وتراجع الموضوع أمام قوّة التّشكيل.. انهارت "المثاليّات" والنّصوص "أمام إرادة التّجريب والهدم والتّجاوز".. صار الكلام تفاعلا حيّا لعناصر كيمياء الوجود، واختبارا مؤلما للجسد المنهك.


    نصّ يركض وراء زمنه المتسارع يحاول القبض على إشاراته الخافتة.. وتمثّل نبضه الحيّ.. لكنّه مثقل بسخرية التّاريخ وعبث الموت و"سيزيفيّة" الفعل.


    نصّ يقتات على لحمه الحيّ.. يحاول أن ينتصر للكتابة اليتيمة في وسط تسيطر عليه الخطابة المدجّجة بالمؤثّرات الصّوتية الخارجيّة.. نصّ تنبذه المؤسّسات الغارقة في النّموذج والاستنساخ.


    صار النصّ ورشة مفتوحة خارجيّا على منجزات المعرفة العلميّة والفلسفات والتاريخ والأسطورة.. وداخليّا على حالات الجسد وتحوّلاته المؤلمة ومن الطّبيعي أن يعيد هذا الاشتغال النّظر في أنظمة الكلام.. أن يصدم القارئ في "سمعه" و"بصره" وذاكرته الذّوقيّة العتيقة، وأن يربك القارئ الأكاديمي المحبوس في كهوف الجرجاني والعسقلاني وابن حزم القرطاجنّي وابن جنّي.


    كوكبة كبيرة من الأصوات التي تشترك في هذه الهموم والهواجس منهم: عبد الله الهامل، ميلود حكيم، علي مغازي، الطيّب لسلوس، لخضر بركة، عبد القادر رابحي، نصيرة محمّدي، الميداني بن عمر، لميس سعيدي، محمّد الأمين سعيدي، مصطفى دحية، أحمد عبد الكريم، إبراهيم صدّيقي وكثيرون آخرون.