بالأسماء والأرقام لماذا قضية التمويل الأجنبى الآن؟!

24/03/2016 - 11:59:35

بقلم - عبدالقادر شهيب

يطرح البعض سواء بخبث أو بحسن نيه تساؤلاً حول التحقيق مجدداً الآن تحديداً فى موضوع التمويل الأجنبى لبعض منظمات المجتمع المدنى.. ومن يطرحون ذلك بخبث يريدون الإيحاء كما يقول بعض أصحاب هذه المنظمات التى طالها التحقيق بأن الحكم الحالى يعادى المجتمع المدنى خاصة منظماته الحقوقية ويريد عقابها على قيامها مؤخراً بكشف تجاوزات بعض رجال الشرطة وبعض الخرق لحقوق الإنسان.. وهؤلاء بالطبع يدافعون عن أنفسهم ويستعينون بكل الوسائل حتى لا يتعرضوا للمساءلة القانونية، بما فى ذلك الضغوط الأجنبية، والتى وصلت ذروتها مؤخراً ببيان البرلمان الأوربى والذى أعقبه بيان وزير الخارجية الأمريكى كيرى الذى طالب بوضوح بإغلاق التحقيقات المصرية الخاصة بالتمويل الأجنبى غير القانونى والسرى لبعض منظمات المجتمع المدنى.


أما من يطرحون هذا التساؤل عن توقيت إعادة فتح التحقيق فى أمر هذا التمويل الأجنبى فهم قد نسوا مع مرور السنوات وتراكم الأحداث السياسية وغير السياسية فى بلدنا أن قضية التمويل الأجنبى التى بدأ التحقيق فيها فى منتصف عام ٢٠١١، وذلك عى أثر قيام وزير العدل المستشار عادل عبدالحميد فى حكومة عصام شرف بتشكيل لجنة تقصى حقائق انتهت إلى توجيه عدد من الاتهامات بخرق القانون الخاص بالجمعيات الأهلية سواء بالتحايل عليه فى التأسيس وذلك بإشهارها كشركات غير هادفة للربح وكمكاتب محاماة، أو بالحصول على تمويل أجنبى سرا وبدون اخطار وزارة التضامن الإجتماعى وموافقتها على هذا التمويل كما يقضى القانون، أو بممارسة أعمال سياسية، وهو ما يحظره القانون ويتنافى مع مفهوم ودور المجتمع المدنى أساسا .


وإذا كانت هذه القضية قد بدأت بعد أن فتحت السفيرة فايزة أبو النجا التى كانت تتولى وقتها منصب وزيرة التعاون الدولى ملف التمويل الأمريكى والأجنبى الذى تدفق سرا وبغزارة على عدد من منظمات المجتمع المدنى فى إطار برنامج الديمقراطية الذى تموله حيث المساعدات الأمريكية تحت إشراف هيئة الوقف الوطنى الأمريكية للديمقراطية .. الا أن الأمر صار فى يد القضاء من يومها حينما تم تكليف اثنين من قضاة التحقيق لتولى التحقيق فى القضية.. وكان أمامهما العديد من الأوراق منها تقرير لجنة تقصى الحقائق التى شكلتها حكومة عصام شرف، ومنها تقرير السفيرة الأمريكية أن باترسون التى ألزمها المشير طنطاوى رئيس المجلس العسكرى الذى كان يدير شئون البلاد وقتها بتقديم بيان كامل بالأموال التى قدمتها واشنطن لمنظمات مصرية وأجنبية تعمل فى مصر خلال الفترة من الأول من إبريل ٢٠١١ وحتى ١١ أغسطس ٢٠١١، والتى بلغ عددها ٥٠ منحة بقيمة إجمالية تفوق ٨٨ مليون دولار، وهو مبلغ يفوق ما قدمته الوكالة الأمريكية خلال السنوات الست التى سبقت عام ٢٠١١، وكذلك تضمنت أوراق التحقيق تقريرا شاملا قدمته وزارة التعاون الدولى من كل التمويل الأجنبى الذى تمكنت من حصره لقائمة من منظمات المجتمع المدنى، سواء التمويل الذى تم بطريقة قانونية أو تم بالمخالفة للقانون، فضلا عن سماع أقوال السفيرة فايزة أبوالنجا لأكثر من تسع ساعات على مدى يومين متتاليين، وكذلك ما توفر من مضبوطات تم العثور عليها فى مقار عدد من الجمعيات والمنظمات التى تم تفتيشها بمعرفة النيابة وقتها ومضى التحقيق فى القضية حتى وقعت مفاجأة السماح للمتهمين الأجانب فى القضية بالسفر للخارج بقرار من محكمة مصرية فى أعقاب ممارسة الأمريكان ضغوطا مكثفة على مصر واستعانوا بالإخوان فى هذا الصدد.. فعلى أثر ذلك انسحب أحد قضاة التحقيق واعتذر عن الاستمرار فى التحقيقات التى كانت لم تكتمل بعد .. حيث كانت قد أنجزت فقط التحقيقات الخاصة بالمنظمات الأجنبية بينما كان التحقيق جاريا ولم ينته بعد فيما يتعلق بالاتهامات التى طالت عددا من المنظمات المصرية.. وبذلك توقفت أو تعثرت التحقيقات، بينما استمر نظر قضية المنظمات الأجنبية والتى كان من بين المتهمين فيها عدد من الشخصيات المصرية .. وصدرت أحكام بحق المتهمين فى هذه القضية ولكن معظمها لم ينفذ نظرا لأن المتهمين الأجانبي كانوا قد غادروا بالفعل مبكراً مصر، وكان عدد من المتهمين المصريين قد تمكنوا من السفر للخارج قبل صدور الأحكام بأيام وربما ساعات قليلة وذلك بمساعدة خارجية أيضا .. ورغم ذلك فقد جاءت حيثيات الحكم فى القضية لتنبهنا جميعا لخطورة ما يقوم به الأمريكان والأوربيون باستخدام بعض منظمات المجتمع المدنى كسلاح للتآمر علينا والتدخل فى شئوننا وفرض الوصاية السياسية علينا واختيارهم لمن يحكموننا، ولذلك لم يكن غريبا أن تصف حيثيات الحكم دور مثل هذه المنظمات بأنه دور الاستعمار الجديد.


ولأن المحاكمة تمت ومصر منشغلة جداً بمقاومة حكم الإخوان الفاشى ولأن الحكم صدر ومصر منهمكة فى مواجهة عنف وإرهاب الإخوان وحلفائهم، فقد تعطل التحقيق فى الجزء الثانى من قضية التمويل الأجنبى، خاصة أن أحد قضاة التحقيق اعتذر عن الاستمرار فى التحقيق، وكاد القاضى الثانى أن يعتذر بعد أن وجد من يطلب تسليم مضبوطات القضية لأصحاب المنظمات التى تم ضبطها لديها، وهو الأمر الذى كان يعنى إذا ما حدثت تصفية القضية وغلق ملف التمويل الأجنبى كله ليس فقط فيما يخص المنظمات المصرية وإنما المنظمات الأجنبية أيضا، ولولا تهديد فايزة أبو النجا وقتها بالاستقالة لكان قد حدث ذلك بالفعل!


وخلال فترة توقف التحقيق فيما يخص الاتهامات التى طالت منظمات مصرية غير حكومية بادرت وزارة التضامن الاجتماعى بعرض قدمته لكل منظمات المجتمع المدنى المصرية بتوفيق أوضاعها طبقا للقانون الحالى للجمعيات الأهلية، لأن بعض هذه المنظمات رفضت الالتزام بهذا القانون لاعتراضها عليه، وقامت بتأسيس كياناتها كشركات غير هادفة للربح، وكمكاتب محاماة وبعضها عملت بدون الحصول على أى ترخيص.. وقد بادرت وزارة التضامن بذلك نظرا لأن المشروع الجديد لقانون الجمعيات الأهلية تأخر إقراره وإصداره كقانون نافذ، فضلا عن أن هذا المشروع الذى سبق أن تبناه الوزير السابق أحمد البرعى، وشارك فى صياغته الاتحاد العام للجمعيات الأهلية، لا يلغى الرقابة السابقة للجهة الإدارية (وزارة التضامن الاجتماعى) على التمويل الأجنبى ويمنح هذه الجهة حق الطعن أمام القانون أمام أى تمويل أجنبى ويتم عدم اتفاق هذا التمويل حتى يحسم القضاء أمر هذا الطعن، وبذلك فإن مشروع القانون الجديد لا يسمح بأى تمويل أجنبى سرى .


لكن مبادرة وزارة التضامن الاجتماعى لم يستجب لها سوى عدد قليل من المنظمات والجمعيات، وبقيت كل المنظمات التى طالها التحقيق فى قضية التمويل الأجنبى رافضة لتوفيق أوضاعها ليس فقط لرفضها القانون الحالى للجمعيات الأهلية كما قال أصحابها، وإنما أيضا لعدم قبولها بالمشروع الجديد لقانون الجمعيات الأهلية ولرفضها أية رقابة لجهة رسمية أو حكومية على أى تمويل أجنبى تحصل عليه، رغم أن القانون الأمريكى لا يسمح لأى منظمة غير حكومية بالحصول على تمويل أجنبى أو غير أجنبى من وراء ظهر السلطات المسئولة، بل إنه يلزم كل منظمة تحصل على تمويل أجنبى بإخطار تلك السلطات ليس فقط بهذا التمويل والجهة التى قدمته وإنما بكيفية إنفاقه وأغراض هذا الانفاق.


وإزاء ذلك كان مفهوماً أن يتم تكليف ثلاثة قضاة تحقيق جدد فى هذه القضية.. وهؤلاء كان عليهم قراءة كل ما يتعلق بهذا التحقيق ، أو كل الأوراق الخاصة بها، وهذا بالفعل استغرق وقتا، وعندما فرغوا من ذلك بدأوا فى سماع أقوال بعض الشخصيات على سبيل الاستدلال ، واتخاذ بعض الإجراءات الاحترازية مثل المنع من السفر وحظر التصرف فى الأموال لبعض الشخصيات التى وردت أسماؤها فى أوراق التحقيق .


وبعيداً عن الاجتهادات فأن التحقيق يتناول جريمتين .. الأولى هى الجريمة المنصوص عليها فى الفقرة ٢/أ من المادة ٧٦ من قانون الجمعيات الأهلية وعقوبتها الحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر وغرامة لا تزيد عن ألفى جنيه أو بإحدى العقوبتين .. وهذا الاتهام طال نحو ٣٥ منظمة غير حكومية مصرية أبرزها (مركز دار المستقبل للاستشارات القانونية ودراسات حقوق الإنسان - مركز هشام مبارك للقانون - مركز ابن خلدون للدراسات الائتمانية - الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان - مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف المجموعة المتحدة للاستشارات القانونية - المكتب العربى للقانون - المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدنى وحقوق الإنسان - مؤسسة التعزيز الكامل للمرأة والتنمية - اتحاد المحامين النسائى - مؤسسة بكرة للإنتاج الإعلامى وحقوق الإنسان - مركز السلام والتنمية البشرية - الأكاديمية الديمقراطية المصرية - مركز حقوق الناس - اتحاد التنمية البشرية - مركز اسرة المستقبل الجديد للدراسات القانونية وحقوق الإنسان - محامو العدل والسلام - نظرات جديدة للتنمية الاجتماعية - اتحاد السياسة من أجل مجتمع مفتوح - مركز رؤية للتنمية ودراسات الإعلام - المركز الإقليمى للأبحاث والاستشارات - اتحاد التنمية الريفية - معهد السلام للسلام والعدل - اتحاد تنمية المجتمع والمرأة والطفل والبيئة - مركز التكنولوجى لحقوق الإنسان - مركز الشفافية للتدريب التنموى والدراسات التنموية - مركز دعم التنمية والتأهيل المؤسسى - المركز المصرى لحقوق السكن - المبادرة المصرية للحقوق الشخصية - المبادرة العربية للإصلاح الجنائى - مركز مبادرة لدعم قيم التسامح والديمقراطية - مركز الأرض لحقوق الإنسان - مركز النديم لعلاج ضحايا العنف والتعذيب - المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية).


أما الجريمة الثانية التى يتناولها التحقيق فهى المنصوص عليها فى قانون الجمعيات الأهلية فى البند ٢ الفقرة الثانية من المادة ٧٦ وهى خاصة بتلقى أموال من الخارج دون موافقة الجهة الإدارية وتطبق عليها ذات العقوبة السابقة بالإضافة إلى عقوبة أخرى تقضى بإلزام المحكوم عليه بغرامة تعادل قدر ما تلقاه أو أرسله أو جمعه أو انفقه أو ضارب به أو تصرف فيه، على أن تؤول حصيلة تلك الغرامة إلى صندوق إعانة الجمعيات الأهلية.. ومن أبرز هذه الجمعيات التى تواجه هذا الاتهام خلال هذا التحقيق كل من (المجموعة المتحدة محامون - استشاريون - مركز دعم التنمية والتأهيل المؤسسى - مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان - مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف - المركز المصرى لحقوق السكن - مركز ابن خلدون - المبادرة المصرية للحقوق الشخصية - المكتب العربى القانونى - المنظمة العربية للإصلاح الجنائى - دار المستقبل للاستشارات القانونية وحقوق الإنسان - مركز مبادرة لدعم قيم التسامح والديمقراطية - مركز الأرض لحقوق الإنسان - مركز النديم لعلاج ضحايا العنف والتعذيب - المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية - مركز هشام مبارك للقانون .


وبالطبع يجب أن يكون مفهوما أن التحقيقات لم تنته بعد ولذلك الاتهامات لم تسفر بعد عن إحالة أحد للمحاكمة .. وحتى لو تم تحويل أحد للمحاكمة سيظل أمر الإدانة فى يد القضاء وحده.



آخر الأخبار