مدير مرصد الدراسات الجيوسياسية بباريس: من المحتمل أن تخرب أمريكا المبادرة الفرنسية للسلام

24/03/2016 - 10:45:21

رسالة باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

بعد نحو عامين من إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن توقف عملية المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.. وتنصل أمريكا عن القضية الفلسطينية وعن وعودها التى قطعتها للعرب من أجل إقامة دولتين، فضلا عن إهمال المجتمع الدولى لحقوق الشعب الفلسطيني، وفشله فى إجبار إسرائيل على إنهاء الاحتلال.. ولعدم وجود عملية سلام حقيقية.. وأمام مصادرة حكومة الاحتلال يوما بعد يوم لمزيد من الأراضى الفلسطينية بالضفة الغربية وتوسيع المستوطنات. وبعد لجوء شباب فلسطينيين عزل إلى انتفاضة السكاكين بحثا عن حقوقهم ومواجهة إرهاب المستوطنين اليهود.. وكذلك وسط تراجع القضية الفلسطينية فى ترتيب الأولويات على الأجندات الدولية بسبب الأحداث المشتعلة، التى يشهدها الوطن العربي، قررت فرنسا أن تسعى جاهدة للعب دور أكثر فاعلية فى حل النزاع الفلسطينى الإسرائيلى عبر مبادرة جديدة بعقد موتمر دولى فى صيف ٢٠١٦ لدفع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وقد عين وزير الخارجية الفرنسى، جون مارك أيرولت، الدبلوماسى المخضرم بيير فيمونت مبعوثًا خاصًا لشئون مؤتمر السلام.. وقد قام فيمونت فور بدء مهامه بزيارة إسرائيل وفلسطين لعرض بنود المبادرة الفرنسية.


فرنسا التى تواجه تهديدا كبيرا بسبب معاداة الإسلام والسامية فى مجتمعها العلمانى نتيجة عدم حل القضية الفلسطينية تخشى من ازدياد الإرهاب وتحول داعش إلى القضية الفلسطينية.  ولكن هل تنجح مبادرة فرنسا؟ وهل ترضى إسرائيل- التى لا تريد حل الدولتين- بدخول مفاوضات سلام حقيقية؟ وهل ترضى إسرائيل بفرنسا كراع للسلام بدلا من حليفتها الولايات المتحدة؟ وهل تترك الولايات المتحدة، التى احتكرت رعاية المفاوضات بين الجانبين لفرنسا أن تلعب هذا الدور؟ 


فهناك العديد من التساؤلات حول مستقبل المبادرة الفرنسية حاولت «المصور « من خلال حوار مع السفير الفلسطينى بباريس سلمان الهرفى الوصول إلى إجابات لها، وكذلك من خلال حوار مع الدكتور شارل سان برو مدير مرصد الدراسات الجيوسياسية بباريس.


بعد عقود من الإخفاقات لحل النزاع الإسرائيلى الفلسطيني.. ما الذي  دفع فرنسا اليوم للتحرك من أجل إحياء عملية السلام؟


لقد قامت فرنسا بإعادة إطلاق مبادرتها بهدف عقد مؤتمر دولى بحلول الصيف.. وأود أن أقول إن فرنسا هى القوة الوحيدة التى مازلت مهتمة بأمر فلسطين.. فهى لم تنشغل أبدا عن القضية الفلسطينية.. وكانت دائمة الحراك لإيجاد حل لمأساة فلسطين، التى تعود لعام ١٩٤٨ والتى ما زالت العامل الأساسى لانعدام الاستقرار فى المنطقة.. فتلك المأساة تغذى الإحباطات، ومن الممكن أن تؤدى إلى اشتعال الأوضاع، ولا يمكننا عزل القضية الفلسطينية عن الفوضى فى المنطقة.. ولهذا فإن باريس ترى ضرورة إنهاء الوضع الراهن وتقترح عقد مؤتمر دولى بشأن تلك القضية المركزية الخاصة بفلسطين والتى تعد المنبع لكل أزمات المنطقة.. والهدف أيضا هو الأخذ فى الاعتبار أن الحوار المزعوم بين طرفى النزاع يقود إلى طريق مسدود. 


ما هى فرص نجاح المبادرة الفرنسية لإحياء عملية السلام؟


فلنكن واضحين، بالطبع لا توجد عملية سلام.. فهذا شعار الغرض منه حجب تخاذل المجتمع الدولي. فالمفاوضات الثنائية المزعومة التى تستند عليها إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة هى خدعة.. وهذا لا يقود إلى شىء سوى السماح لإسرائيل بتوسيع الاستيطان غير الشرعى فى الأراضى المحتلة. فلا يمكن أن تكون هناك مفاوضات ثنائية حين تكون قوى الطرفين غير متوازنة لهذا الحد.. المبادرة الفرنسية - الرامية إلى حشد المجتمع الدولى حول التسوية الوحيدة الممكنة وهى حل الدولتين- تهدف لوضع كل طرف أمام مسؤولياته.. والمجمتع الدولى من واجبه التدخل لإطلاق عملية سلام فعلية تخدم مصالح كل شعوب المنطقة.. وعقد المؤتمر الدولى سيكون هدفه إعادة إطلاق عملية السلام.


ما الشروط الواجب توافرها لإنجاح المؤتمر الدولى الذى تقترحه فرنسا؟ 


الشرط الأول والوحيد هو أن يبدى المجتمع الدولى رغبة حقيقية لتسوية نزاع طال أكثر من اللازم.. فمن الواضح أنه بات ضروريا التوجه نحو سلام «مفروض» لعدم وجود حلول أخرى.. فيتعين أن يستعيد المجتمع الدولى زمام الأمور وفى المقام الأول الأمم المتحدة، التى خلقت المشكلة بعد الحرب العالمية الثانية. فلابد من فرض السلام بخطة وجدول زمنى محدد. وأسس تلك الخطة واضحة وهى دولتان مستقرتان وقابلاتان للحياة وفقا لحدود ١٩٦٧(مع تبادل محتمل للأراضي) على أن تكون القدس عاصمة للدولتين.


هل تَرى أن واشنطن، التى تعد الحليف الأكبر لإسرائيل، ستترك فرنسا أن تعمل بمفردها لإنجاح عملية السلام؟


إن كل سياسات الولايات المتحدة فى المنطقة لا تركز سوى على أولوية الدعم الأعمى والثابت لدولة إسرائيل.. فالولايات المتحدة لا تريد سلاما عادلا ولهذا فمن المحتمل أن تخرب المبادرة الفرنسية.. فالواقع أن المحادثات الثنائية برعاية الولايات المتحدة لم تكن يوما سوى خدعة، ولم يبذل الجانب الأمريكى أى جهد لإجبار الإسرائيليين على تبنى منطق السلام والامتثال لقرارات الأمم المتحدة، التى تشكل الإطار القانونى لحل شامل.. وبالتالى فبسبب انحيازها وحالة العمى التى لديها، فإن الولايات المتحدة تشمل العقبة الرئيسية أمام تسوية النزاع.


حال واجه مؤتمر السلام عراقيل من طرف إسرائيل، فهل يدفع ذلك فرنسا إلى الاعتراف بدولة فلسطين؟


لقد أوضحت الخارجية الفرنسية أن باريس ستعترف بدولة فلسطين حال فشلت مبادرتها.. فالأمر حينها سيعود للحكومة الفرنسية لاستخلاص كل العواقب للتطور السلبى لمبادرتها.. وإذا استمر التعطيل، فسيتعين على فرنسا أن تكون أول قوة غربية تعترف بشكل كامل بدولة فلسطين على غرار نحو ١٣٠ دولة حول العالم قامت بذلك.. ولكن قبل ذلك القرار، فلابد من محاولة دفع الأمور إلى الأمام.


الطريق الوحيد لحل القضية الفلسطينية والصراع العربى الإسرائيلى هو إقامة دولتين على أن تكون القدس الشرقية عاصمة للفلسطينيين، ولكن فى الوقت الذى يدعو فيه المجتمع الدولى لحل الدولتين لا نرى أى تحركات ملموسة لبلوغ هذا الهدف.. لماذا؟


إن قادة إسرائيل اليوم متطرفون ويتبنون منطق الحرب، الذى سيقود فى نهاية المطاف إلى نتائج مأساوية بما فى ذلك للإسرائيليين أنفسهم.. فهؤلاء القادة لا يريدون تسوية سلمية دائمة على أساس دولتين.. كما أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لبذل أى جهد لانشغالها من ناحية بالتقارب مع النظام الإيرانى ومن ناحية أخرى بفك ارتباطها بالشرق الأوسط. وإذا قمنا بتقييم السياسة الأمريكية فى المنطقة (الدعم الأعمى لإسرائيل، تدمير العراق، التساهل مع النظام الإيراني، التخاذل فى سوريا، بالإضافة إلى موقفها الغامض إزاء جماعات الإسلام السياسى مثل الإخوان المسلمين) فسيتبين لنا أن واشنطن مسؤولة عن الأزمة العامة، التى تعيشها تلك المنطقة من العالم.. ولكن لابد فى الوقت ذاته من الإشارة إلى السلوك غير المسئول لبلدان أخرى مثل ألمانيا، التى تشجع الوضع الراهن بدعم سياسة إسرائيل الاستيطانية.


 كيف يمكن أن تسهم مصر كقوة إقليمية فى إنجاح المبادرة الفرنسية؟


إن القاهرة وباريس لديهما تحليل مشترك للقضية الفلسطينية وهناك تطابق كبير فى وجهات النظر حول مجمل الملفات الاستراتيجية، وكذلك وعى مشترك بأن استمرار النزاعات هو أسوأ الأشياء لأنه يغذى التطرّف ويزيد من مخاطر زعزعة الاستقرار ويهدد الأمن فى المنطقة.. ولا بد من بذل كافة الجهود للحيلولة دون تفجر الأوضاع.


إن دعم مصر للمبادرة الفرنسية لا غنى عنه ورئيسي.. فالقاهرة تعلم أن فرنسا شريك وصديق مخلص وجدير بالثقة على عكس الولايات المتحدة.. فدعم مصر لمبادرة فرنسا للسلام سيكون أساسيا نظرا للثقل الاستراتيجى الذى تمثله.. وقد أعرب وزير الخارجية سامح شكرى عن دعمه للمبادرة الفرنسية، معتبرا أنها جاءت تأكيدا للحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني.. ومن المنتظر أن تسهم القمة المرتقبة بالقاهرة (أبريل المقبل) بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس فرانسوا أولاند فى زيادة تنسيق المواقف بين البلدين اللذين يمكنهما فعل الكثير سويا.