بوتين ينسحب من سوريا وعينه على أوكرانيا

24/03/2016 - 10:35:22

تقرير: نهال الشريف

بالموسيقى العسكرية والزهور والأعلام والبالونات وفى حضور كبار ضباط الجيش الروسى واثنين من القساوسة جرى استقبال طلائع القوات الروسية العائدة من سوريا بعد قرار الرئيس فلاديمير بوتين ببدء عملية سحب قواته بشكل جزئى والتى تواجدت فى سوريا منذ الخريف الماضى وأمام الكاميرات، قدمت الفتيات فى الملابس الروسية التقليدية الخبز والملح للجنود العائدين، الأمر الذى تناقلته وسائل الإعلام الروسية باعتباره عودة الأبطال المنتصرين..


الرئيس الروسى، الذى ينجح دائمًا فى مفاجأة العالم أعلن قراره فى الرابع عشر من مارس الجارى ببدء سحب قواته جزئيًا من سوريا دون أن يحدد موعدًا للانسحاب النهائى ومحذرًا من إمكانية إعادتها خلال ساعات إذا لزم الأمر.


منذ أكتوبر الماضى نفذت القوات الروسية ٩ آلاف طلعة تكلفت سببها الخزينة الروسية ٣ ملايين دولار يوميًا، وكان من نتيجتها أن تمكن بشار الأسد من استعادة السيطرة على ٤٠٠ منطقة مأهولة بالسكان مساحتها ١٠ آلاف كيلو متر مربع.


قرار بوتين المفاجئ جاء فى اليوم الأول لجولة المفاوضات جينيف-٣ لإنهاء الصراع فى سوريا فى رسالة يبدو فيها بوتين بأنه رجل السلام وأن قرار الانسحاب العسكرى يفسح المجال لانجاح العملية الدبلوماسية، كما أنه يأتى على خلفية المشاورات التى جرت بين سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسى ونطيره الأمريكى جون كيرى، حيث اتفق الاثنان على فكرة تطبيق النظام الفيدرالى فى سوريا كسبيل وحيد لإحلال السلام بعد ٥ سنوات من الصراع.


فى الإطار الفيدرالى تسيطر الطائفة العلوية على المناطق الغربية الممتدة من اللاذقية شمالًا وحتى دمشق جنوبًا ومنطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتى فى الشمال الشرقى السورى، أما باقى الأراضى السورية فستخضع للمعارضة السنية على أن تقوم القوات التابعة للمعارضة مدعومة بالطيران الروسى ومن الغرب بتطهير الرقة من ميلشيات داعش المسيطرة عليها.


الحقيقة أن أسباب التدخل الروسى فى سوريا تحمل فى طياتها أسباب الانسحاب الجزئى المعلن مؤخرًا، فقد أجمع مراقبون غربيون أن الهدف الذى وضعه بوتين نصب عينيه منذ البداية هو المصلحة الروسية فقد قال سابقًا: إن روسيا ليس لها حلفاء وإنما لديها شركاء استراتيجيون فالمسألة ليست فى دعم بشار الأسد، ولكن الهدف أمام بوتين والذى نجح فيه بالفعل هو اثبات حقيقة مهمة للعالم وبصفة خاصة الولايات المتحدة وهى أن روسيا لاعب مستقل فى الساحة الدولية ولابد للعالم أن يحسب حساب هذا اللاعب، أما عن باقى أهداف بوتين سواء بالتدخل العسكرى أو الانسحاب فيمكن تلخيصها فى رغبته باقناع زعماء أوربا بأن روسيا قادرة على المساعدة فى حل أزمة اللاجئين السوريين الذين تسببوا فى إثارة مشكلات كبيرة بين دول الاتحاد الأوربى لاستيعابهم وتحمل أعباء وجودهم على أراضيها، ومن هنا ربما يستفيد بوتين فى حالة مساعدته لأوربا- بوضع حل للصراع فى سوريا ينتج عنه حل أزمة اللاجئين- ففى هذه الحالة يمكن أن ترفع أوربا العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا منذ تدخلها فى أوكرانيا وضم جزيرة القرم فى مارس ٢٠١٤، ثم أن هناك رسالة موجهة أيضًا للرئيس السورى، فقد كان لحديث بشار فى الآونة الأخيرة بلهجة تتسم بالصلف وقع سىء فى الكريميلن يوحى بعدم جدية المشاركة فى محادثات جينيف ولذلك أراد بوتين أن يؤكد لكل من بشار وللمعارضة السورية فى آن واحد أنه لن يتمكن أحد من الحصول على كل ما يريد، وأنه لابد من تقديم تنازلات للوصول إلى حل، أما الرسالة الموجهة لواشنطن فهى الرد على ما سبق وقاله الرئيس أوباما محذرًا موسكو من السقوط فى المستنقع السورى وذلك بالانسحاب الاستعراضى عشية مفاوضات جينيف الأمر الذى وصفه عدد من الخبراء بأنه تكتيك ممتاز، ويرى هؤلاء أن بوتين أثبت قدرة هائلة على المناورة، وأكد أنه السياسى الداهية وأنه تفوق على أوباما فى تقدير حجم خطورة الصراع فى سوريا وانعكاساته على حلفاء أمريكا فى أوربا والشرق الأوسط.


أما داخليًا فقد حقق بوتين مكاسب ليست بالقليلة فتشير استطلاعات الرأى إلى أن الرئيس الروسى يتمتع بمعدل شعبيته يصل إلى ٨٠٪ بما يفوق كثيرًا شعبيته معظم الزعماء الأوربيين، ذلك لنجاحه فى العزف على أوتار الاعتزاز الوطنى لأبناء روسيا وأنه بصدد تحقيق وعده لهم باستعادة المجد القديم لروسيا التى ورثت الاتحاد السوفيتى السابق كقوة عظمى، هذا فى وقت تعانى روسيا مشكلات اقتصادية ناتجة عن انخفاض أسعار البترول فى السوق العالمى وسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها هذه الأمور أدت إلى انخفاض فى المرتبات من ٨٥٠ دولارًا شهريًا فى المتوسط عام ٢٠١٤ إلى ٤٥٠ دولارًا شهريًا خلال عام واحد، ولكن عندما تدخل بوتين فى أوكرانيا ثم فى سوريا نجح فى إثبات أن روسيا هى المنافس الحقيقى والكفء فى مواجهة الولايات المتحدة ما يدفع المواطن الروسى لتحمل أحواله الداخلية موضع الشكوى.


ولكن السؤال هو هل ينوى بوتين إتمام الانسحاب من سوريا؟ فقد أشار تقرير لمعهد بروكنجز إلى أن بعض الطائرات الروسية قد عادت ولكن طائرات أخرى دخلت سوريا كما أنه لم تكن هناك أعداد دقيقة معلنة لأعداد الطائرات منذ البداية وهناك تقديرات بأن عدد الجنود على الأراض يترواح بين ٣ إلى ٦ آلاف والمعلن الآن أن روسيا ستحفتظ بألف من الخبراء والقوات الخاصة لدعم الوجود الروسى فى قاعدة حميميم الجوية قرب اللاذقية والقاعدة البحرية فى طرطوس ومازالت روسيا تحتفظ بالأسلحة اللازمة لتأمين منطقة خظر للطيران ومازال لديها السيطرة على المجال الكهرومغناطيسى وهى نقطة تفوق تحسب للنظام الروسى فى كل من سوريا ودونباس فى أوكرانيا ويرجح التقرير أن الطائرات الأكثر تقدمًا من طراز اس يو ٣٠و٣٥ مازالت باقية فى سوريا هذا كله مع وجود الخبراء والقوات الخاصة يشكل العامل الأكثر حسمًا على الأراض والموقف الحالى تثبت به موسكو رسائل واضحة لكافة الأطراف بأنه من غير المسموح لأى طرف أن يتدخل فى سوريا بصورة تهز حالة الانتصار التى خلقها بوتين أمام مواطنيه وبأنه استعاد الأهمية الجيوسياسية لروسيا وعلى الغرب وضع المصالح الروسية فى الاعتبار.



آخر الأخبار