روبرت كيندى الابن: عريضة اتهام بليغة ضد المخابرات الأمريكية

24/03/2016 - 10:29:41

د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

 عرضت جريدة الأهرام في عدد الأول من مارس ترجمة متوسطة المستوى  لمقال البروفيسور «روبرت إف كيندي» ..الأستاذ الجامعي والناشط البيئي ونجل السيناتور الراحل  روبرت كيندي .


والمعروف أن السيناتور روبرت كيندي .. الأب .. كان يشغل منصب  المدعي العام  الأمريكي  في الفترة من عام ١٩٦١ حتى  إبريل ١٩٦٤ .. و ترشح   لمنصب الرئاسة الأمريكية  عام ١٩٦٨، وهو شقيق الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي  الذي اغتيل عام ١٩٦٣ في ظروف وملابسات غامضة توحي بوجود مؤامرة من جهاز المخابرات الأمريكية.


مقال «روبرت كيندي» الابن ..والذى نشر على موقع مجلة  «بوليتيكو» الأمريكية  .. مقال على درجة فائقة من الأهمية ..فهو بمثابة عريضة اتهام  بليغة وموثقة بالأدلة والقرائن والوقائع  ضد  السياسة الخارجية للولايات  المتحدة، والدور الذى تلعبه وكالة الاستخبارات المركزية  فى هذه السياسة  .


يبدأ  روبرت كيندى الابن  مقاله  بجملة شديدة الإيحاء  .. إذ نراه يقول : «بما أن والدى قد قتل على يد عربى .. فقد بذلت مجهودا لفهم تأثير السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط .. وتحديدا العوامل التى تدفع أحيانا إلى ظهور ردود أفعال متعطشة للدماء من قبل العالم الإسلامى ضد بلادنا ...”


ومن المعلوم أن « روبرت كيندي» الأب . تم اغتياله على يد  شاب أمريكى  من أصول فلسطينية يدعى « سرحان بشارة سرحان « ..فى  الخامس من يونيه عام ١٩٦٨ ..أى فى الذكرى الأولى للعدوان الإسرائيلى على مصر وسوريا والأردن عام ١٩٦٧ .


وحسب الرواية الرسمية لوقائع اغتيال روبرت كيندى الأب،  كان الأخير يخطب فى مؤيديه فى  فندق الإمباسادور  فى كاليفورنيا ..وبعد أربع ساعات من التصويت فى المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية فى ولاية كاليفورنيا .. وقبل إعلان فوزه فيها ..وعندما انتهى من إلقاء خطابه ..وأثناء توجهه لقاعة أخرى لمقابلة الصحفيين ..كان عليه أن يعبر لهذه القاعة  عبر مطبخ الفندق ..حيث كان الطريق إليها مكتظا بالجمهور الذى يتشوق لمصافحة المرشح الرئاسى ..وبينما كان كيندى محشورا فى ممر  العبور  بالمطبخ ..وأثناء مصافحته لأحد العاملين به ..خرج «سرحان سرحان» من صندوق بجانب آلة صنع الثلج ..وهرع نحو روبرت كيندى وأطلق عليه عدة رصاصات من مسدس ٢٢ مللى ماركة إيفر جونسون كاديت.


وباقى تفاصيل  الواقعة .. وطريقة  القبض على سرحان سرحان تصلح لعمل فيلم هوليودى مثير وشيق.. بعضها لا ينفى حدوث مؤامرة لقتل المرشح الرئاسى روبرت كيندى ..بنفس الطريقة التى تحوم حولها الشبهات والشكوك حول مؤامرة  لقتل شقيقه جون كيندى  .


ونعود لمقال روبرت كيندى  الابن .. الذى يبدو أنه اضطر  للتذكير بواقعة قتل أبيه على يد عربى ..لينفى عن نفسه شبهة الانحياز للعرب  ضد بلده ..وللتأكيد على موضوعيته .


 وهنا أقتطف من مقاله الطويل  الذى يعرض فيه مواقف أجهزة الاستخبارات  الأمريكية  تجاه العرب  بعض الفقرات المهمة  فى مقاله، الذى يشكل فى مجمله عريضة اتهام شديدة البلاغة ضد وكالة المخابرات المركزية  والإدارات الأمريكية المتعاقبة فى موقفها من العرب  وسوريا على وجه الخصوص .


 يقول  روبرت كيندى الابن :


 ١ -” إن  سجل أمريكا البغيض من التدخلات العنيفة فى سوريا .. والذى لا يعرفه الأمريكيون إلا قليلا .. لكن  يعرفه جيدا  السوريون .. فقد مهد ذلك  التدخل  التربة  الخصبة للجهاد الإسلامى العنيف وهذا السجل هو الذى يعقد فعليا أى رد فعل من جانب حكومتنا لمواجهة تعدى تنظيم داعش ..


 وطالما بقى الشعب الأمريكى وصناع القرار غير مدركين لهذا الماضى فإن أى تدخل آخر من المحتمل أن يعقد الأزمة .


  ٢ - كان من المحتم  أن يقوى قرار الرئيس أوباما بالتدخل العسكرى فى ليبيا الراديكاليين بدلا من أن يضعفهم ..


وفى هذا الصدد  أذكر أن صحيفة نيويورك تايمز كانت قد نشرت فى ٨ ديسمبر  ٢٠١٥..وفى صدر صفحتها الأولى قصة عن قيام زعماء تنظيم داعش السياسيين ومخططى التنظيم الاستراتيجيين بالعمل على استفزاز تدخل عسكرى أمريكى فى ليبيا ..حيث يدركون من خبراتهم السابقة أن هذا من شأنه أن يجتذب فيضانا من المقاتلين المتطوعين، وأن يغرق كل أصوات الاعتدال ويوحد العالم الإسلامى ضد أمريكا .


 ٣ - وفى حين  كان يردد ببغاوات الصحافة الأمريكية المدجنة رواية مفادها أن دعمنا العسكرى للمتمردين فى سوريا يأتى لأغراض إنسانية، كان الكثيرون من العرب يرون أن الأزمة الحالية فى  سوريا هى بمثابة  حرب بالوكالة للاستيلاء على خطوط الأنابيب والجغرافيا السياسية ... وقبل أن نسرع بالتورط فى هذا الأتون ..قد يكون من الحكمة بحث الحقائق الكثيرة التى تؤيد هذا المنظور .


 ٤- من وجهة نظر العرب نحن  لم نبدأ حربنا ضد بشار مع الاحتجاجات المدنية السلمية التى اندلعت فى إطار الربيع العربى فى ٢٠١١ . بل بدأت فى عام ٢٠٠٠ عندما اقترحت قطر إنشاء خط بترول بطول ١٥٠٠ كيلو متر  وبتكلفة عشرة مليارات دولار  ..ويمر عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا، وتشارك قطر وإيران فى حقل غاز يعد من أغنى حقول الغاز الطبيعى فى العالم . لكن العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران تحظر عليها بيع الغاز بالخارج . وفى نفس الوقت لا يمكن للغاز القطرى أن يصل للأسواق الأوربية إلا إذا تم تسييله وشحنه عبر البحر المتوسط.. وكان خط الأنابيب المقترح سيربط بين قطر وأسواق الطاقة الأوربية مباشرة عبر خطوط توزيع تركية .


 ٥- وكان الاتحاد الأوربى ..الذى يحصل على ٣٠٪ من احتياجاته من روسيا ..متعطشا بنفس القدر لخط أنابيب يمد أوربا بوقود رخيص ويريحها من نفوذ فلاديمير بوتين الاقتصادى والسياسي.


وكانت تركيا ..ثانى أكبر مستهلك للغاز الروسى ..متحمسة ﻹنهاء اعتمادها على روسيا خصمها التاريخى . ..


 ٦- وبالطبع اعتبرت روسيا ..التى تبيع ٧٠ فى المائة من صادراتها من الغاز لأوربا .. أن خط الأنابيب القطرى - التركى   يشكل تهديدا وجوديا لروسيا، ومؤامرة من الناتو لحرمان روسيا من موطئ قدمها الوحيد فى الشرق الأوسط .. وخنق الاقتصاد  الروسى وإنهاء النفوذ الروسى فى سوق الطاقة .


 ٧- وفى ٢٠٠٩ أعلن الأسد أنه سيرفض توقيع الاتفاق الذى يسمح لخط الأنابيب بالمرور عبر سوريا  ..وذلك لحماية مصالح الحليف الروسى .


 ٨- وتشير التقارير المخابراتية أنه فى اللحظة التى رفض فيها الأسد  خط الأنابيب  القطرى ..توصل مخططو  أجهزة المخابرات إلى إجماع على أن تمردا سنيا فى  سوريا  للإطاحة ببشار الأسد غير المتعاون ..هو الطريق العملى لتحقيق الهدف المشترك،  وهو استكمال خط الأنابيب القطرى - التركى .


 ٩- وفى عام ٢٠٠٩ .. وفقا لتسريبات ويكليكس .. وبعد رفض الأسد لخط الغاز ..بدأت « السى . آى . إيه « تمويل جماعات المعارضة  فى  سوريا . ومن الضرورى أن نذكر أن هذا كان قبل اندلاع الربيع العربى .


 ١٠- وكما هو متوقع ..كان رد الفعل المبالغ فيه من قبل بشار الأسد على هذه الأزمة المفتعلة من الغرب ..وإلقاؤه البراميل المتفجرة على مناطق السنة ..وقتل المدنيين  سببا فى ترسيخ  الانقسام السنى - الشيعى .. وسمح  ذلك لصانعى السياسة الأمريكية أن يروجوا للمواطنين الأمريكيين فكرة أن الصراع على البترول والغاز هو حرب من أجل الإنسانية .


 ١١- وعندما بدأ الجنود السنة فى الانشقاق عن الجيش السورى عام ٢٠١٣ .. قامت القوى الغربية بتسليح الجيش السورى لإحداث مزيد من عدم الاستقرار فى سوريا .. وقد اتضح أن الصورة التى قدمتها الصحافة الأمريكية للجيش السورى الحر  باعتبارها وحدات متجانسة من السوريين المعتدلين .. هو مجرد وهم .. فقد شكلت هذه الوحدات مئات من الميليشيات المستقلة ..معظمها كانت تقودها أو تتحالف معها الميليشيات الجهادية وهم أكثر المجاهدين التزاما وفاعلية .


 ١٢- وفى  ذلك الوقت عبر مقاتلو داعش السنة الحدود من العراق إلى سوريا، وانضموا إلى  مجموعات المنشقين من الجيش السورى الحر .


 ١٣- وليس من قبيل المصادفة أن المناطق السورية التى احتلتها داعش تتطابق  تماما مع  خط الغاز القطرى - التركى المقترح .


 ١٤- ونذكر هنا  أنه قبل الغزو الأمريكى للعراق .. لم يكن هناك وجود لداعش فى  أثناء حكم صدام . وعندما قام جورج بوش بتدمير حكومة صدام . وقام بول بريمر بإدارة العراق بقدر  كبير من السوء،  أدى كل ذلك  إلى خلق ما يعرف بالجيش السنى ..الذى تحول فيما بعد إلى مايعرف بالجيش الإسلامى .. وقام بريمر بتصعيد الشيعة إلى السلطة ..وقام بحل حزب البعث ..كما قام بتسريح ٧٠٠ ألف عضو من أعضاء الحزب والتابعين للحكومة وحولهم إلى الأعمال المدنية ..وقام بحل الجيش العراقى  الذى كان يضم ٣٨٠ ألف شخص ..٨٠ فى المائة منهم من السنة .


١٥ - وباستخدام نفس الصورة واللغة التى دعمت حربنا عام ٢٠٠٣ ضد صدام حسين ..قاد الزعماء السياسيون الأمريكيون الشعب نحو الاعتقاد بأن تدخلنا فى سوريا يعد حربا مثالية ضد الاستبداد والإرهاب والتعصب الدينى .


 ١٦- لكن إذا أردنا أن تكون لنا سياسة خارجية فعالة .. فيجب  أن نعترف  أن الحرب فى سوريا هى حرب للسيطرة على الموارد .. حرب لا تختلف كثيرا عن الحروب السرية السابقة والتى لا تعد ولا تحصى حول البترول الذى نقاتل من أجله فى الشرق الأوسط طوال ٦٥ عاما .


 وعندما نتأمل التاريخ ..ننظر بدهشة كيف أن كل تدخل من قبل الولايات المتحدة لمنع أى عنف ..أدى إلى فشل ذريع ورد فعل سلبى بشكل مخيف ..منذ الحرب العالمية الثانية إلى الآن .


 ١٧- إن الرابح الوحيد فى هذه الحروب هى شركات البترول والجنود المرتزقة الذين دخلت جيوبهم أرباح خيالية..بالإضافة إلى نمو وكالات المخابرات نموا كبيرا من حيث النفوذ والسلطة .


 ١٨- لقد حان الوقت للأمريكيين لإبعاد الولايات المتحدة عن الاستعمار الجديد .


يجب أن ندع العرب يحكمون دولهم .


ويجب أن ننهى هذا  الإدمان المدمر للنفط الذى شوه السياسة الخارجية الأمريكية على مدار نصف قرن كانت  تلك الفقرات المهمة فى مقال البروفيسور روبرت كيندى الابن .. والذى تخلله عرض مطول عن دور وكالة المخابرات الأمريكية فى المشرق العربى خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية .. والصراع على البترول والطاقة والنفوذ فى المنطقة.


 كان المقال مصاغا بقوة وحسم شديدين ضد السياسة الخارجية اﻷمريكية ووكالة المخابرات المركزية، بشكل جعلني  أطرح على نفسى كثيرا من الأسئلة ...منها مثلا:


 لماذا تجاهلت وسائل الإعلام العربية هذا المقال الخطير  على الرغم من أن كاتبه هو شخصية شهيرة  يشكل اسمها جزءا من الوجدان الشعبى الأمريكى المعاصر ..ومحملة أسطورة  أسرته  لدى المواطنين الأمريكان بعناصر غير منكورة من الضمير الإنسانى والتعاطف الوجدانى  ؟!


 وإذا كانت جريدة الأهرام ..قد قامت مشكورة ..بنشر المقال ..فلماذا لم يأخذ  المقال  حقه  من الاهتمام سواء من النخبة الثقافية أو النخبة  السياسية العربية .. على الرغم من أنه يشكل  أبلغ إدانة للسياسة الخارجية الأمريكية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية ؟!


وهل يمكن ﻷى مثقف أو سياسى عربى أن يلقى الذيوع والانتشار والتأثير فى الأوساط الشعبية الأمريكية ... مهما بلغت شهرته أو بلاغته ..مثلما يحدث مع صاحب هذا المقال؟


ولماذا لم تكرس صحفنا وبرامجنا السياسية المتلفزة مناقشات مستفيضة حول المقال وصاحبه  من أجل دعم هذا التوجه فى الأوساط السياسية الأمريكية .. التى نادرا ماتقف مع الحق العربى ؟؟!!!


 وأخيرا : ألا  يعد هذا المقال أبلغ رد على المستهزئين  الدائمين من نظرية المؤامرة ومعتنقيها ؟!
فها هو  أكاديمى وسياسى أمريكى يسرد بالوقائع والمراجع سجل المؤامرات الأمريكية على العرب منذ الحرب العالمية  الثانية حتى الآن .


 هل  يمكن أن نسمع رأى  المتفذلكين العرب فى هذا المقال، وهم  الذين لا يملون من إعطائنا دروسا فى وجوب التخلى عن  نظرية المؤامرة باعتبارها شيئا وهميا لا يوجد إلا فى عقولنا الصغيرة  ...وتعبيرا عن بؤسنا الفكرى !!


 أسئلة كثيرة .. لكن  الإجابة عليها تفطر القلب على حال العرب ومستقبلهم !!! .