الضمير

24/03/2016 - 9:30:23

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


أنا طبيب تخدير .. نشأت في قرية لأسرة متوسطة .. والدي مدرس ابتدائية، وأمي موظفة شئون إدارية بنفس المدرسة، ولي أخت وحيدة تكبرني بعامين .. ونملك مطحنًا صغيرًا للغلال. تفوقت في جميع مراحل التعليم، وحققت حلم والديَّ في دخول كلية الطب .. وتخصصت بعد تخرجي في التخدير، ثم التحقت بالعمل في مستشفى خاص بمصر الجديدة .. وكنت أقوم بأعمال إضافية في مستشفيات وعيادات أخرى حسب الطلب .. كنت كالجوكر أبذل مجهودا كبيرا، وفي المقابل كان العائد كبيرًا أيضًا.


وبدأت أفكر في الارتباط، بعد أن اشتريت شقة عالية المستوى ساعدني فيها والدي .. ورفضت كل عروض أهلي للزواج من بنات قريتنا .. ولم أفكر كثيرا في موضوع الحب بقدر ما فكرت في أن تكون فتاة عصرية وجميلة ومثقفة، ترفع من شأني في المجتمع.


وكانت بنت مدير المستشفى، التي وقعت عيناي عليها في حفل خيري أقامه المستشفى .. وعرفت أنها طبيبة شابة لها عيادتها الخاصة بالأمراض الجلدية، وأنها غير مرتبطة بعد أن تم فسخ خطوبتها مؤخرًا.


وطلبت يدها من والدها، بعد أن شرحت له ظروفي .. وتعرفت عليها بعد زيارة عائلية، وتمت الموافقة على الخطوبة .. وبعت شقتي التي لا تناسب مستواها الاجتماعي، وتشاركنا سويًا في شراء فيلا صغيرة، وكتبناها مناصفة بيننا.


وكنت دوما أردد لنفسي أن وراء كل رجل عظيم امرأة .. وأنا أردت أن أكون عظيما .. وقمنا بتأثيث الفيلا وتشطيبها، وللأمانة فقد تحمل والدها ضعف ما دفعته أنا في شراء وتأثيث الفيلا.


خطوبتنا لم يكن فيها الخروج والفسح والسينما .. لكن كنت أجلس معها كل خميس في أحد الأندية الكبيرة على النيل، وبالطبع كنت أدخل كزائر على عضويتها.


وتزوجت منها، بعد أن كتبت مؤخر صداق كبيرا يليق ببنت العائلات والحسب والنسب.


ومن أول شهر أدركت أني أسأت الاختيار .. واكتشف أيضا أن وراء كل رجل تعيس امرأة .. لقد تزوجت من فتاة مغرورة ومتسلطة .. لا يرضيها شيء، ساخطة وتعشق النكد .. وتسخر مني ومن أهلي وتتعمد دوما إهانتي، وتصنع مشاكل من أتفه الأسباب.


ورغم أني شاب وسيم، إلا أنني أصبحت شاحب الوجه، ومهموما طوال الوقت بسببها .. حتى أصبح لقاؤنا الجنسي مملًا وسخيفًا بلا روح، وكأنه واجب منزلي، وحتى جمالها لم أعد أشعر به.


وطلبت مني تأجيل موضوع الحمل والأطفال لعام أو اثنين بسبب ظروف العمل .. ولن أخفي عليك سرا أنني ارتحت لهذا القرار .. خصوصا أن عندها عقدة المترفات اللاتي يكرهن الحمل والأمومة وتحمل المسئولية.


والبيت تحول إلى فوضى، لأن الهانم مشغولة بالعيادة، والكوافير، والنادي .. وكل خادمة أتفق معها تهرب بعد أسابيع بسبب ما تسمعه من شتائم وإهانات زوجتي التي لا تنتهي.


ونسيت الطعام البيتي الذي لم أعد أتناوله إلا كلما ذهبت في زيارة لأهلي، وتحولت حياتي كلها إلى تيك آواي، وعشنا سويا في مكان واحد وكأننا أعداء، أو ديوك متصارعة .. وعشت حياتي وكأني لا أعيشها.


وندمت أشد الندم أنني لم أستمع لنصائح أهلي وأتزوج بنتا بسيطة ومتعلمة من قريتنا.


وتعرفت ذات يوم على شقيقة أحد المرضى الذي كان يستعد لإجراء عملية قلب مفتوح .. مهندسة صغيرة وبسيطة في كل شيء، ونشأ بيننا نوع غريب وسريع من التفاهم والتجاذب والانسجام .. وحكيت لها كل شيء عن حياتي كما لم أحك من قبل لأحد .. وشعرت براحة معها وكأنني التقيت مع نفسي الضائعة مني.


وقابلتها، وتعددت خروجاتنا .. وكنت أشعر في عينيها بالسعادة لمجرد أننا نجلس في كافيتريا ونشرب عصير برتقال، بينما أتذكر زوجتي التي لا يعجبها العجب.


وللمرة الأولى عرفت معنى وطعم الحب.


وحتى لا أطيل عليك، فقد فاتحتها في الزواج بعدما أخبرتها بنيتي في الانفصال عن زوجتي .. لكنها ارتبكت جدا، وقالت لا أريد أن أبني سعادتي على تعاسة امرأة أخرى.


وحتى لا أطيل عليك، فقد أقنعتها وتعرفت على أهلها واتفقت معهم على خطبتها، وعرفتها على أهلي الذين فرحوا كثيرًا بها .. وقالوا أخيرا ستتزوج بنتا من ثوبنا.


 وبدأت في تمهيد الأمر لزوجتي، وأخبرتها برغبتي في الانفصال، حتى تتم الأمور بهدوء .. واعتقدت أن الأمر لن يفرق عندها كثيرًا، لكن تفاجأت بثورتها العارمة .. وانفجرت في وجهي كالبركان، وتحولت لامرأة أخرى همجية تشتم وتسب بألفاظ قاسية وتمد يدها.


وفي الصباح خرجت لعيادتها، ثم خرجت أنا للمستشفى، وبلغوني أن المدير يريد مني تقديم استقالتي، وحاولت مقابلته، لكنه رفض تماما .. تركت المستشفى، وحمدت الله أن هناك أعمالًا أخرى في انتظاري.


وحينما عُدت للبيت، وجدت أمين شرطة وبعض العساكر في انتظاري، وطلبوا مني تفتيش سيارتي التي وجدوا في شنطتها صندوقا صغيرًا لا أعرف عنه شيئا .. واصطحبوني إلى قسم الشرطة لأخذ أقوالي على محضر اتهام زوجتي لي بضربها وإهانتها وسرقة مصوغاتها الذهبية.


وفهمت أنها وضعت صندوق المصوغات في شنطة سيارتي صباحًا .. ولم أصدق نفسي من هول ما يحدث، وأن من تصورتهم أهل حسب ونسب تحولوا في لحظة إلى مجرمين وأدنياء أصل.


ونمت في قسم الشرطة أربع ليالٍ، كنت أُعرض خلالها على النيابة في حضور محامٍ من نقابة الأطباء .. وخرجت بكفالة مادية، وتم حفظ التحقيق لعدم كفاية الأدلة على الضرب، أو نية السرقة.


وحاولت الاتصال بخطيبتي فلم ترد على هاتفي .. وذهبت لزيارتها فقابلني والدها، وأعطاني دبلة الخطوبة وقال لي: كل شيء قسمة ونصيب .. ومشيت وأنا لم أفهم ما تم !


وحمدت الله على كل شيء، وقررت تأجيل طلاق زوجتي إلى أن تهدأ الأمور .. وعدت إلى بيتي لأجدها قد غيرت مفتاح الفيلا، وتركت لي هدومي أمام الباب في كيس زبالة أسود.


ومشيت في صمت حتى لا تُلفق لي تهمة جديدة، واتصلت بالمحامي وأخبرته برغبتي في الطلاق وتسوية الأمور .. واتجهت نحو فندق صغير وحجزت غرفة فيه حتى أستحم وأغير ملابسي، لأن هناك عملا ينتظرني في الليل.


ونزلت مجهدًا حزينًا، ومضغوطا في هذه الليلة المشؤومة متجها نحو أحد المستشفيات الجامعية للمشاركة في عملية جراحية وتخدير المريض .. وأخطأت في تقدير كمية المخدر، ومات المريض على إثر هذا الخطأ الفادح.


نعم يا سيدي، تحولت في لحظة لقاتل.


لقد قتلت شابًا في مقتبل عمره .. قتلت حلما .. قتلت أما وأبا وأسرة .. أنا قاتل وقف مذهولًا يشاهد أسرة تُلملم نفسها صامتة، ومحتسبة، ولا تطمح إلا في الخروج بجثمان ابنها، ودفنه.


أنا قاتل عاد آخر الليل لينام في غرفته وكأن شيئا لم يكن .. والآن وقد مر على الحادث شهور، طلقت فيها زوجتي وتنازلت لها عن نصيبي في الفيلا ومحتوياتها، وتركت لها كل شيء.


ولم أعد أرى في الدنيا إلا سوادًا، وأشباحا تطاردني .. وانقطعت تمامًا عن العمل وانزويت في شقة صغيرة قمت باستئجارها .. وكلما قررت زيارة أسرة المتوفي، ودفع فدية لا أملكها .. ولكن خشيت ردة فعلهم.


وفكرت في تقديم نفسي للمحاكمة والمثول أمام القضاء، لكن تراجعت خوفًا على صدمة أهلي والفضيحة التي سأسببها لهم بلا ذنب.


وأعيش الآن في الحياة كشبح .. عاطل .. جبان .. ولم أعد أنام.


ماذا أفعل؟


الــــــرد


إن ما يعذبك ويقض مضاجعك، هو الضمير .. إنه عذاب قهري يلاحقك كظلك.


لقد قتلت روحًا بسبب إهمالك، ولا عذر لك في ذلك .. والعدالة ليست بالضرورة أن تدخل السجن ويتم فصلك من النقابة، ولكن للعدالة وجوه كثيرة .. وقد يكون من العادل أن تكون خارج أسوار السجن لتنقذ أرواحًا أخرى، وتمنع عنها الألم بعودتك واجتهادك في العمل.


والمجتمع في حاجة لتبرعاتك المتواصلة بوقتك ومجهودك وعلمك ومالك، وبالطبع لا يجب أن تنسى رد الدين لأهل المتوفي، ولكن في وقت مناسب.


وأنا لا أشك في كونك إنسانًا عظيمًا، يملك ضميرًا يقظًا، وروحًا نقية .. ونادمًا على ما اقترفه من خطأ غير مقصود .. فلا داعي لهذه الانهزامية والتأنيب، والجلد المتواصل للذات، وإيلام النفس.


ولماذا لا يكون عذابك الحالي دافعًا حماسيًا، كي تثبت لنفسك أنك أفضل مما كنت عليه .. وأن بإمكانك أن تنفع نفسك، وتخدم مجتمعك، ومن حولك ؟


وحكاية زواجك كانت شيئا متسرعًا بلا حب أو تفاهم .. لمجرد أن الفتاة طبيبة وجميلة وغنية، وكمان بنت مدير المستشفى .. والنتيجة كانت خسارتك لكل شيء معها، وطردك من المستشفى.


وهي تجربة بمثابة درس قاسٍ لتمردك، واختيارك شريكة تفوق طموحاتك وإمكانياتك، وتتفوق في شخصيتها عليك .. وإحساسك بالنقص وعدم التكافؤ أمامها، كانا كفيلين بتهديد استقرار واستمرار علاقتكما.


وثورتها ضدك حينما فاتحتها في موضوع الطلاق كانت رد فعل انتقامي لتجرؤك عليها ولفظها، بينما تراك هي طيلة الوقت مجرد ريفي أقل منها في كل شيء.


أنت في ظروفك هذه، باحتياج لزوجة تشعر معها بشخصيتك، واحتياجها إليك وحبها لك .. أنت في احتياج لزوجة تحبها .. وأغلب الظن أن زوجتك القادمة ستكون فتاة متعلمة من بلدتك.


انهض من سريرك يا رجل، فالعمر أقصر كثيرا مما تتخيل .. ولا يجب أن تتوقف حياتك عند غلطة واحدة، وغير مقصودة.