رحيل هيكل.. غروب عصر

20/03/2016 - 12:52:53

رئيس التحرير سعد القرش رئيس التحرير سعد القرش

بقلم - سعد القرش

    في ديسمبر 2002، ازدحمت قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، انتظارا لمحمود درويش. كان للشاعر المتأنق حضور كبير، يدركه تماما، يقيس منسوبه ببصيرته قبل أن يلمحه بنظرة ذكية في عيون الحاضرين، وبينهم مسؤولون ومثقفون بارزون. ولكن الأضواء انجذبت فجأة إلى الباب، كان هناك متأنق آخر، لا تختار الكاميرات غيره إذا اقتضى الأمر خيارا أو منافسة، كان محمد حسنين هيكل. جلس في الصف الأول حيث غسان سلامة وزير الثقافة اللبناني، وعلي أومليل سفير المغرب في مصر، والفنانة اللبنانية نضال الأشقر، ومحمود أمين العالم. داعبه درويش في بداية الندوة قائلا: «يبدو لي أنها من المرات القليلة التي يجد فيها الأستاذ هيكل نفسه مستمعا، فأرجو ألا أثقل عليه وعليكم».


    قضى هيكل 74 عاما في العمل، هي عمره الصحفي، وتمكن بدأب شديد من الاحتفاظ بمكانة تليق بموهبته، منحازا إلى مهنة يثق أنها ستحمله إلى موقع الصدارة، وكأنه كان يقرأ المستقبل، مستقبله، حين رفض في الأربعينيات اقتراحا، بأن يضيف إلى اسمه صفة ما، كأن يكتب مثلا «هيكل الصغير»، في ظل وجود قوي للدكتور محمد حسين هيكل (1888 ـ 1956)، السياسي والكاتب المرموق، مؤلف رواية «زينب». ولكن هيكل أصر أن يكون فكان. اعتداد مبكر بالذات، ورهان على التحقق. لو أن صوتا بحجم أم كلثوم، وحساسية فيروز، ظهر بأي لغة وفي أي أرض، لعبر الجغرافيا والأجيال، وكذلك هيكل حظي بذكاء حاد، وذاكرة غير طبيعية، وثقافة موسوعية، وقدرة على قراءة الوجوه والمستقبل، ونهم إلى معارف هي رأسمال رمزي، وطموح إلى بلوغ ذروة الأشياء، كأنه يطلب «الفردوس الأعلى». ولكنه في الفردوس لا يكابر ولا يكتفي، بل يستمر في «الاشتغال على مهنته»، فيتفرد بما لا يقاس، ويصبح لكلامه مفعول السحر، يهز بكلمة ـ لا يملك سواها ـ عروشا تبدو راسخة لملوك وورثتهم ورعاياهم أيضا. أصبح حضوره زلزالا بمعنى ما.


    وهو أعزل أربك أنظمة، وأزعج ورثة. في سبتمبر 2010 يرمي بذكاء إشارة تبدو جملة اعتراضية عابرة، في برنامج تلفزيوني، فيثور ورثة أنور السادات، لأن هيكل ذكر أن السادات أصر على إعداد القهوة لجمال عبد الناصر، بعد أن أخرج محمد داود، النوبي المسؤول عن طعام الزعيم. يتحول هيكل إلى شخصية روائية قائلا: «لا أحد يمكن تصديق هذا (أن يكون السادات وضع السم في القهوة)، لأن الموضوع لا يمكن القطع فيه إلا بوجود دليل مادي»، وتثور العواصف. قبل ذلك أثار غضبا في المغرب بمقال عن الملك الحسن الثاني. وبعد ذلك فجر كلامه عن علاقة للملك حسين بالولايات المتحدة عاصفة في الأردن، فسارع كثيرون إلى الرد والسباب إذا لزم الأمر، ودائما ما كان يلزم، وهو ما تكرر عام 2015 حين تكلم عن مستقبل حكم آل سعود أيضا.


    كان استقلاله يمنحه هذه الثقة، بوعي من إدراكه لما يمثله من قيمة، ولهذا كان يعتز كثيرا بالأبقى، بمهنته التي تمثل جنسية مختارة، مصرا على لقب «جورنالجي»، صحفي لا يدعي أنه مؤرخ. ورغم قربه من عبد الناصر، إلى درجة التماهي أحيانا، فإنه ظل ينتصر للمهني على السياسي. لم يستند إلى علاقة ستنتهي حتما، وفقا لمنطق الصراع السياسي، أو بوفاة أحدهم، فمات عبد الناصر، وصنع هيكل الجانب الأكبر من أسطورته. استفاد عبد الناصر من هيكل أكثر مما استفاد منه الأخير. ورغم خلافه مع السادات أصر هيكل على البقاء في مصر، ومن خندق عبد الناصر كتب مدافعا عنه، وبوثائق يجيد حفظها واستخدامها صمد في مواجهة أجهزة السادات. يسجل في كتابه «لمصر لا لعبد الناصر» أن «مصر استطاعت في عشر سنوات من عصر عبد الناصر أن تقوم بتنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه في الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر. كانت نتيجة لا مثيل لها في العالم النامي كله... بل إن هذه النتيجة كان يعز مثيلها في العالم المتقدم»، مستندا إلى التقارير الدولية، ولا يستطيع تكذيبه أحد، ويندهش محمود السعدني من اقتران كتابة مثل هذا الكتاب بالبقاء في مصر، إما الكتابة وإما الإقامة، أما الجمع بينهما فهو الجنون. يقول السعدني إنه ما كان له يكتب كتابا مثل «لمصر لا لعبد الناصر»، إلا إذا كان يضمن أن بينه وبين السادات ما لا يقل عن خمسة آلاف ميل.


    لم يحتمل نظام حسني مبارك عودة هيكل إلى الكتابة في مصر، في «أخبار اليوم» منتصف الثمانينيات. ثارت العواصف، أشعلها رجال أعمال وقادها مسؤولون وصحفيون، بعد الإعلان عن سلسلة من المقالات عن كيفية صنع القرار السياسي في مصر، وحفظا لماء وجه النظام والصحيفة تم الاكتفاء بنشر مقابلة معه.


    في وقت لاحق، سيعاد اكتشاف هيكل السارد المبتكر، في نفوره من الصيغ التقليدية، ودأبه على نحت صور وأخيلة. مصدر آخر جعله لا يغار من المبدعين، بل يدافع عنهم، ويعرف أقدارهم، وعندما خشي أن يصدر قرار مصادرة «أولاد حارتنا» وهي تنشر مسلسلة أسبوعيا عام 1959، قرر نشرها يوميا، استباقا لقرار ربما يحرم القارئ أن يتابع رواية لن يدافع مؤلفها نجيب محفوظ نفسه عن حقها في النشر في وطنها.


    منح الرجل قوة البيان، والقدرة على الإيجاز، لم يكن يوجز، بل لا يحب جملة «هات من الآخر»، ويتجلى الإيجاز حادا كنصل في عناوين كتبه، وفي اختياره لكتاب محمد سيد أحمد، عنوانا كرصاصة «بعد أن تسكت المدافع». وفي أزمة نظام مبارك مع الصحفيين عام 1995، أرسل كلمة سخر فيها من «سلطة شاخت في موقعها»، وبانتهاء قراءة كلمة هيكل حسم النصر للصحفيين، وصارت هذه المقولة نهبا، تراثا شائعا نسي صاحبه، تماما مثل الخادم مجهول الاسم للورد الاسكتلندي «ساندويتش»، وقد أراد اختصار وقت سيده ذات رحلة، فوضع شريحة من لحم بين طبقتين من الخبز، ثم نسي الخادم وسافر «الساندويتش» عبر الزمن.


    لم يكن هيكل شيطانا ولا ملاكا. سوف يسجل التاريخ أنه من أبرز شهود العصر، وإن ظل رغم اعتزازه بمهنة «الصحافة»، يزن كلماته كدبلوماسي ماهر لا يريد أن يغضب أحدا، ولا يسارع إلى إبداء رأي في قضية ساخنة، خشية أن تأتي النتائج بغير ما توقع. ثم يستفيض في التنظير، بأثر رجعي، عن خيارات كان يمكن لصدام حسين أن يتخذها، بعد خراب مالطة واحتلال العراق. سجلت في كتابي «الثورة الآن» مواقف لهيكل: قبل أيام من اندلاع ثورة 25 يناير 2011، وبعد هروب زين العابدين بن علي قال هيكل لقناة الجزيرة إن ثورة تونس نجحت لأن التونسيين رفعوا شعار «إذا الشعب يوما أراد الحياة ـ فلا بد أن يستجيب القدر»، أما نحن في مصر فما زلنا نردد: «شدي حيلك يا بلد». تصريح يدعو لليأس. وكان قد سئل، في صيف عام 2000، عن احتمال تكرار سيناريو التوريث، بعد تنفيذ التجربة في سوريا، فقال إن الرئيس مبارك لا يمكن أن يسمح بهذا. راهن هيكل، بكلمات لا تؤخذ عليه، على ما زعم أنه وطنية الرئيس، ولم يقل ماذا نفعل لو بدأت الخطوات الفعلية في تمهيد الطريق، وقد بدأت تلك الخطوات بالفعل. ويحسب لهيكل أنه كان من أوائل من فجروا قضية التوريث، وأخرجوها من غرف تحضير العفاريت في الظلام، إلى أضواء الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في محاضرة (أكتوبر 2002). وباندلاع الثورة لم ينتظر، هذه المرة، ظهور الخيط الأبيض من الأسود، وكتب مقال «سقوط خرافة الاستقرار»، ("الشروق" 1 فبراير 2011)، وأتبعه بمقال «أسبوع عبور المصريين إلى عصر الشعوب الحرة».


    في حياته، أخذ هيكل حقه كاملا.. نفوذا وشهرة واختيالا ومديحا وسبابا. وبعد وفاته يشمت به اليمين الديني، بعض الرموز وكثير من القطيع، بزعم هجومه على «الإسلام»، ولو أنهم قرأوا كتابه الصغير «على هامش صراع الحضارت» لتأكد لهم كيف دافع عن الإسلام، حضارة وفنونا، ولكنهم لا يقربون القراءة.