ثلاث قصائد

20/03/2016 - 12:43:24

خالد بن صالح

شاعر وكاتب من الجزائر، يكتب في السينما والأدب، له ثلاث مجموعات شعرية: "سعال ملائكة متعبين" 2010، "مائة وعشرون مترا عن البيت" 2012، "الرقص بأطراف مستعارة".


 


تاريخ شخصي


    لستُ القادمَ من عائلةٍ تنشرُ تاريخ أبنائها كل صباحٍ على حبل غسيلٍ قصير يختزلُ المسافة بين لسانِ أختي وأذنيْ جارتنا. لستُ ماسحَ الأحذية النَّحيل يحملُ على كتفه شمسَ يومٍ صيفيٍّ مليء بالأقدام والخطى التي تدهسُ روحَهُ ذهابا وإيابا حتى يجنَّ الليل. لستُ حارسَ العمارة الأعرج يكيل الدنيا برِجله الناقصة ويركلها حين تضيقُ بالناس. لستُ متسكِّعَ الحيِّ يخفي وراء ابتسامته الصفراء قلبا أبيضَ كحفنة هيروين. لستُ سائق الحي صندوق النساء الأسود يروي حكاياتهن للجميع ويقسم أنها أسرار المهنة. لستُ وريثَ جدِّي الكادح القويَّ بأصابعه الطويلة وكفِّه خشنة الملمس. لستُ شبيه جدتي زرقاء العينين بلا وشوم على يديها أو وجهها إنما بذاكرة تدخلها كمقبرة. لستُ أُشبِه أبي دون صفاتٍ استثنائية ولا أمِّي حين تطلق من يديها فراشات ملوَّنة لتُقنِعني أنَّ الحياة ليست فيلما صامتا بالأبيض والأسود. لستُ توأمَ حبيبتي تُراوِدُني عن نفسِها لتكسر القوقعة من حولي وتفتحَ مساميَ المغلقة على عطرها الفرنسي ورائحة شعرها الذي يطوقني كليلٍ لا ينتهي..


    لستُ سوى هذا الهارب كبالون مثقوب من العائلة، عشّ طيرانه الأول.


 


الطريق إلى الحاوية


    لنذهب اللَّيلةَ إلى حانةٍ رخيصةٍ ونسكر بأنخابٍ نوزِّعُها على زوربا الذي تُحبّينه وباولو كويليو الذي أكرهه وصولا إلى جارنا الفلسطيني وأرملة الصحفي النحيلة وما غاب عنَّا من أسماء غرباء لم نتحدَّث إليهم وخبأنا ملامحهم خلسة في ذاكرتنا.. وإذا ما أسعفتنا جيوبُنا لسُكْرٍ أعظم دعيني أتغزَّلُ بكِ، كما لو أنَّكِ امرأة أخرى لا تغار من أرامل زوربا المجنون، لا ترمق جارنا الطبيب بنظرةٍ شبِقة عند كلِّ زيارة، لا تفتحُ النار عليَّ كُلَّما ابتسمتُ في وجه الأرملة ليلا وأنا أهمُّ برمي القمامة، لا تضغطُ على يدي في الشارع كي أغضَّ عن كلِّ غزالةٍ عابرة. وأعدكِ، قبل الكأس الأخيرة سأكونُ رجلا آخرَ لا يهتمُّ بخزعبلات صاحب الخيميائي، لا يخفي عنكِ سرَّ تواطئه مع الطبيب الذي كان يهمُّ برمي القمامة عندما سمعَ تأوهَّات الأرملة بالقربِ من الحاوية.


 


الفستان


حينَ فكَّرتُ في كتابة شيءٍ آخر، لا علاقة له بما مضى من الشُّبهات والتلميحات وهيِّن الكلام.. لم تخطري في بالي كاملة كما عهدتكِ، تتسلَّلين عاريةَ الجسدِ إليَّ، مزدحمة بنساءٍ مررن على عجلٍ منّي، مُحطَّمةَ القلبِ كسفينةٍ خانها الحظُّ وأحلامُ القراصنة في يومٍ بعيد.. احترتُ في البداية كأيِّ شاعرٍ تخونُه الموهبة كيف أخيط من بقايا فستان سهرتك لجاما لرغباتي؟ لأنَّنا غالبا ما نهربُ من الذكرياتِ الأليمة بتزييفِها.. الفستانُ مثلا، لم يكن سوى قطعة غالية الثمن، تلبسها امرأة نحيلةٌ من بلاستيك، منزوعة الشَّعرِ، ترمقُ العابرين بابتسامةٍ غامضة من وراء فترينةِ محلٍّ فاخر في شارعٍ صاخبٍ وسط العاصمة.. عيناكِ تلمعانِ رغبة في اقتنائه ويدُكِ تضغط على يدي المـتأهبة لكسرِ اللحظةِ والخروجِ منها بأقلِّ الخسائر.