على الشعر أن يرسم لنفسه طريقا

20/03/2016 - 12:23:19

بقلم - صفاء فتحي شاعرة مصرية

الشعر في مأزق في منطقتنا وفي بعض بلدان أوروبا. ولكن مأزقه ليس بالضيق نفسه في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية وفي دول أمريكا اللاتينية. ومع ذلك نعم هو في مأزق، فالشعر أقدم الأشكال الأدبية على الإطلاق لا يواكب العصر، لا يفرض لغته ولا يخاطب عبر تجواله في أرجاء المرئي واللا مرئي عوالم القارئ والمتلقي. ولعل لذلك أسبابا اجتماعية، حضارية.


    ومع ذلك، هناك أسباب تخص الشعر نفسه، أسباب داخلية، باطنة في فعل وتكوين القصيدة، في فضائها وفي توجهها. أعتقد أن على الشعر أن يرسم لنفسه طريقا بلا غاية يتقاطع فيه مع تراثه ويتفارق معه في آن. ليس هناك وصفة معينة ولا نحن بصدد إصدار بيان بشأن مستقبل الشعر وحاضره. فلنتفق على شيء واحد، أننا نواجه عصرا يفرض تحديات غير مسبوقة على البشرية ولعل أهم هذه التحديات وأكثرها بأسا وأسفا على الإطلاق هو الاحتمال الوارد والواقعي جدا باندثار البشرية في مستقبل ليس بالبعيد إلا إذا... إلا إذا... كل ما قد نتمكن من كتابته ومن صياغته وما نحاول الوصول به إلى القارئ يكمن في الفضاء الاحتمالي المشروط لـ"إلا إذا". هذا يعني أن الشعر يكمن في فضاء الاستثناء المشروط والسؤال والتساؤل. والأهم من ذلك أن هذا الفضاء المحتمل الذي يرتبط وجوده بشروط نجهلها، هو فضاء سري مكتوم، أو هامس، هامشي وعاجز، وهنا تكمن قوته وإمكانية نموه، فلقاء الواقع ومفارقته معا هما أصله ومنبعه ووسيلته في البقاء. الشعر مرتبط أيضا بسياق الكتابة الأدبية عموما، وبآليات النشر وأساليب القراءة التي تتغير على مدار الساعة والتي عليه أن يتعامل معها دون تماهٍ حتى لا يستغرق فيها وعليه اتباع إستراتيجيات خلاقة قد تدفعه إلى التحالف مع أشكال فنية مختلفة دون أن يفقد نفسه فيها. عليه إذن أن يناور، ومن يناور هو الشاعرة أو الشاعر، وقد تكون القصيدة نفسها هي من تدافع عن وجودها عبر مناورات تتبدى عند الكتابة فقط.


    العدمية المحدقة بنا التي يدعمها بعض المبدعين والكثير من المواطنين على السواء تتخذ أشكالا متعددة في التعبير والتواجد في المجال العام وتتسلل إلى سريرة "الشاعر/ة" بشتى الطرق وتحتال على الكتابة بأساليب عديدة. هذه العدمية تبدأ بالعنف الذي لا يخدم أي هدف على الإطلاق انتهاء بردود أفعال أدبية قد تناهضها ولكنها تتبنى المنطق نفسه العدمي بالأساس: "ليس هناك من معنى ولن يكون". ليس بوسعنا إلا التحدث بشكل هامس مع بعضنا البعض كي نتأمل في صمت ما يزلزل ما تعودنا عليه من آليات للكتابة ومن مفاهيم ومعانٍ، وعلى كل منا أن يبحث في صمت وأن يستقرئ السياق التاريخي عن العلاقة الجديدة الكامنة بين اللفظ والمعنى، بين ما اتفق على تسميته بالشكل والمضمون. مع العلم بأن العلاقة بين الشكل والمضمون تخضع في حد ذاتها لإعادة صياغة جذرية. في اعتقادي أن معظم الكتابة النقدية الأدبية في اللغة العربية تعاني الضعف والتفاهة، وأنه طالما لا توجد حركة فكرية أصيلة ومنفتحة حقيقة على الفكر العالمي فلن يكون هناك نقد جدير بهذا المسمى.


    حاولت الربط بين الشعر وبين الفضاء السري والمكتوم الواقع، بين ما يحدث وبين تعليقه بالاستثناء المشروط وهذا الفضاء ينطوي على طاقة تحررية هائلة تتشكل رغما عنا وعلى غفلة منا، أيضا في الخفاء. فلنحاول أن نبتكر لغة حيّة تستقرئ  هذا المجهول، وأن نتخلى عن تلك اللغة الميتة التي تقف عائقا بيننا وبين صياغة هذا المجهول والتحرر من المعروف والوارد، مثلا كلمة "مستهلكيها" لا بد أن يحل محلها تعبير لفظي مغاير لمنطق الاستهلاك حتى إن كان هو السائد في العلاقة بين المنشور والمقروء (وهذا ما يُفرض علينا حاليا). فلنقل إن القارئ ليس بمستهلك ربما يكون القارئ هو الباحث عن تجربة ما، تجربة تربطه بالمكتوب والكاتب، ولعلنا لا نطرح تجارب نتشارك فيها مع القارئ بل نطرح خواطر ومشاعر ومعاني وأشكالا ومفاهيم قد تسبق وتستبق تجربة القارئ وقد تكون متخلفة عنها كلية. كيف لنا أن نعرف ذلك؟ نحن في الحقيقة نعرفه لو أنصتنا جيدا واستمعنا إلى هذا الصوت الداخلي الذي نحاول كثيرا إسكاته باتباع ما تمليه علينا آليات النشر والرواج.


    فلنقل إن السرديات الكبرى لم تعد كبرى، لأن فرنسوا ليوتار، وتيار ما بعد الحداثة الفكري ومن قبلهم نيتشه فكك عناصرها فلم تعد هناك سردية لمسيرة تحررية كبرى شاملة يسير في ركابها الفن والعلم والسياسة معا في مشروع واحد غايته التقدم، هناك فقط تفكك وانفصال لتلك العناصر؛ كل من عناصر هذه السردية الكبرى يسير في طريقه المتفرد، المنفصل. وهذا هو المنطلق التاريخي للتعددية. فليس لنا أن نحزن على تشتيت تلك العناصر وعلى الترحيب بالتعددية في آن. التعددية هي نتاج هذا التشتيت وهذا التفكك الذي يتيح لفضاءات جديدة أن تتشكل وأن يكون لها صوتها المتفرد. فلنقل مثلا إن مفهوم الشاعر الأوحد الذي يمثل صوت الأمة هو مفهوم ينتمي لتلك السردية الكبرى، فلنقل إن الشاعر أو الشاعرة الذي/التي يعلو صوته/ها فوق الجميع نمط ينتمي لتلك السردية. ولنقل إن الناقد الذي يكرس لهذا النمط ينتمي لتلك السردية. وهذا لا يعني أن الكل يعادل الكل وأن جميع الأصوات لها نفس الطبقة ونفس الأبعاد، بل على العكس من ذلك. هذا يعني أن هناك العديد من الأصوات التي تتميز في نطاقات متعددة وإنها لم تعد تُختصر في هذا الصوت الواحد الذي يهيمن على نوع أدبي معين كالشعر مثلا، فلنقل إن الشعر كالموسيقى متعدد المجالات، وإن له أكثر من صوت، وأكثر من لغة، وأكثر من طبقة.


    أعتقد أننا شهود على لحظة تحول تاريخية تعادل في نظري لحظة التحول من الإقطاع إلى الرأسمالية والتي كرستها الثورة الفرنسية بالطبع، وهذا قد لا نشهده، وقد لا يحدث أبدا، أن يكون هناك حدث تاريخي حضاري يكرس لهذه اللحظة ويعتبر عنوانا لها، أو تاريخها الفارق.


    أما عن الهاجس الرعوي، ألا نرى كيف يستمع الملايين حتى الآن لسيمفونية بيتهوفن السادسة والمسماة بالرعوية؟ المفردات الرعوية، صحراؤها، قمرها، بحرها وشفقها، غروبها، شمسها، وخطواتها تتسلل إلى القصيدة ربما في سياقات أخرى، في سياقات المدينة والصخب، سياقات الحرب واللجوء، في سياقات النزوح في القوارب والhتجار بالبشر وأعضائهم، في سياقات الاتجار بالنساء والبنات، في كوارث انفجارات المفاعلات النووية ومواكب الجنرالات. فلنقل إن المطروح للقراءة يشتمل على تنوع في القيمة كما في الملابس؛ هناك الجاهز الرخيص، وهناك الأنيق الجميل الثمين، والمستعمل الرخيص والمستعمل الثمين، كذلك الأمر في الطعام هناك الوجبات السريعة وهناك الوجبة المعدة بعناية، والشعر يخضع لنفس القانون. إلا أن الشعر ليس له من يستطيع أن يستقبله ويعرف ماهيته دون مراس. أعترف بأن الشعر يتراجع، ليس له قراء وليس له جمهور ولكنه في هذه الصحراء ما زال يعاقب، ما زالت جملته تعاقب بالإعدام وبالإنكار والنكران، فلنقل إن علينا البحث والتجريب ربما قد نعثر في يوم عما يبحث عنا، عن ربما وعن إلا إذا، التي تبحث عنا، ربما.