علاء الديب.. وداعا "أيام وردية" إدانة واقع حزين

20/03/2016 - 12:15:26

علاء الديب علاء الديب

بقلم - حسين عيد كاتب مصري

 لعل علاء الديب (الذي توفي في 18 فبراير 2016) قد طمح في رواية "أيام وردية"، التي صدرت عن دار الهلال 2002، أن تكون شهادة (إدانة) لواقع حزين بائس، خاصة بالنسبة لما يقع في المجتمع من تحولات وللقضية الفلسطينية، من خلال تقديم دراما حياة (مثقف) منسحب مهزوم، فجانبه التوفيق من الناحية (الفنية)!
    قد تتشابه رواية "أيام وردية" مع رواية سابقة لعلاء الديب ، هي "زهر الليمون" (1987)، في أنّ بطل كل منهما، أو الشخصية المحورية فيهما، (مثقف) يستعيد تجربة حياته كاملة خلال النص الروائي، في محاولة لتقييمها. وكان موفقا (فنيا) في بناء رواية "زهر الليمون" حين جعل بناءها ينساب بعذوبة في جوّ (رحلة) من خلال ثلاث حلقات متداخلة: الأولى (واقعية) يقوم فيها بطل الرواية (المثقف) برحلة أسبوعيا من السويس إلى القاهرة بسبب ظروف عمله،  والثانية (معنوية) يستعيد فيها رحلة حياته بالكامل. وكانت الرحلتان السابقتان تتمان داخل إطار (خارجي) لرحلة ثالثة أشمل وأعم، هي رحلة البشر من الميلاد وحتى الموت!
    في حين أنه في رواية "أيام وردية" حاصر بطله المثقف اليساري السابق "أمين الألفي" في محيط (نفسي) ضيّق، حين (انسحب) مع أسرته من القاهرة إلى المنصورة في أعقاب هزيمة 1967، لأنه "كان يريد أن يعيش مرحلة جديدة"، دون أن تضيء لنا الرواية خبايا المرحلة (القديمة)، أو توضح المبررات التي حفزته إلى الارتحال بعيدا عن القاهرة، حتى أنه بعد أن استقر في المنصورة توصل إلى أن "أهم ما حدث له أنه لم يعد يشتاق إلى القاهرة. لم يعد يطيق الإقامة فيها على الإطلاق، إذا ذهب يعود في نفس الليلة".
    وترجع معاناة البطل في مستقره الجديد (المنصورة) إلا أن (تيارا إسلاميا) من الواقع (الخارجي) قد اقتحم عليه حياته، حين تحولت زوجته (المدرسة) اليسارية إلى المعسكر الإسلامي وتحجبت وملأت الشقة بكتب عن عذاب القبر، دون أن توضح لنا الرواية (كيف) تمّ هذا التحوّل، وإن أبرزت دورا قياديا للحاجة زينب منذ عامين مع المدرسات المحجبات. أما كيف حققت الحاجة زينب هذا التحول معها، فهو ما لم توضحه الرواية أبدا. ومن (ملامح) الحاجة زينب: "كل سنواتها بعد أن عادت من الخليج كرستها لإعلاء كلمة الله وهداية عباده وفعل الخير"، "مرت العلاقة بينه وبين أبلة الحاجة زينب – أو زيزي كما كان يناديها وهما وحدهما – مرت العلاقة بمراحل وأزمات واختناقات". وبطبيعة الحال لم توضح الرواية (متى) عرف الحاجة قبل الإعارة وكيف تبسط التعامل بينهما إلى حد ندائها باسم للتدليل، وهو الوافد الجديد بعد عام 1967 إلى المنصورة؟!
    وحتى يحكم الحصار حوله، (يفاجأ) القارئ بأن للزوجة شادن أخا يمتلك شقة على النيل، وهذا الأخ "يأكل كثيرا ونادرا ما يسمع لحيم، كأنّ مشاعره اختنقت تحت لحم متراكم كثير. تفرّغ بحماقة للامتلاك. محصن ضد الاختراق. عدله مصلحته،  وساتره الإسلام"، ويمثل بيت هذا الأخ (المقابل) الثري الذي يتستر بالإسلام أيضا!
    في ظل هذا الواقع الحزين، يتباكي المثقف على (حلمه) الضائع "كأن يعمل صيادا في نهر النيل، وأن يتزوج امرأة الحلم "ف.."، وتحوّل هي القارب إلى بيت،  وأن ينجبا أولادا وبنات، وأن يبيع السمك البلطي فى القري، وأن يوزع على الفلاحين مع الأسماك رقعا مكتوبا عليها أشعار وحكم وأغنيات". أما لماذا ضيّع هذا الحلم، فإن الرواية لا تقدم أي إجابات، وإن جسدت وحدته، بعد أن فقد حبه الوحيد مع "ف.."، وانتهى به المطاف إلى اللجوء إلى كنف سنديانة ضخمة تقف وحيدة شامخة تتحدي الزمن!
   قضية فلسطين
   يتابع القارئ بطل الرواية أمين الألفي، فإذا هو تارة مالك للواء الحكمة: "عندما يخبو العشق تصبح الحياة مستحيلة. ترنم أمين الألفي حزينا: الحياة عشق والعشق الحياة، لا بد أن تشتعل عشقا حتى تشم رائحة الوجود". وهو تارة أخرى مترفعا عن الآخرين، دون أن يسقط مع "الملايين التي تعيش وتموت دون أن تعشق أو تحب، الملايين التي تفعل طوال حياتها ما لا تحب"،  لأن هناك "ملايين من البشر تقطع وتوضع في علب كل دقيقة. هو لم يتحول – بعد -  إلى سمكة منزوعة الرأس والزعانف وموضوعة في علبة سردين". وتارة ثالثة هو نبيل حسّاس يأسى لمشهد غلام فقير:"لذلك عندما عرف "مفتاح" الذي له من العمر اثنتا عشرة سنة، ولكنه من الفقر يبدو في السابعة،  حطّت علي كتفيه أثقال الوجود كله وانقصم ظهره مرة أخرى".
    ثم يتابع القارئ دخول تيار (قضية فلسطين) من الواقع (الخارجي) لتقتحم عالمه الخاص فعلى الرغم من أنه يعمل مشرفا اجتماعيا في مدرسة، ويستمرئ أنه بلا عمل فعلي، فسرعان ما (يفاجأ) القارئ به وقد (تحوّل) إلى ثوري مضطهد، وذلك بعد أن نظّم في المدرسة عدة محاضرات وندوات عن فلسطين، لينتهي به المطاف إلى لقاء مع ضابط مباحث في مكتب ناظر المدرسة، وهو يحذره بأن "هذا النشاط خطر وغير مرغوب فيه".
    وحتى يستمر تيار القضية الفلسطينية (يفاجأ) القارئ ثانية، دون سابق تمهيد، بأن للبطل صديقا وحيدا كانت له مراسلات معه، مازال يحتفظ بها، ليكون ذلك (مبررا) ليعرض رسالة عن السلام والفلسطينيين واللاجئين، ثم يسوق تحقيقا كتبه صحفي إسرائيلي. ولكي يستمر دفق القضية، إذا به وقد "رقد في فراش المرض شهورا"، ليكون ذلك تكئة كي يطلب أن يعالج في مصحة "نابلس" بالقاهرة، وهي مصحة أنشأها صديق (؟!) يعمل في أمريكا ومناصر للقضية الفلسطينية. وفي المصحة (يفاجأ) القراء، بأن هذا المثقف المريض (نفسيا) قد بحث "طوال حياته عن الزهرة الصفراء. زهرة شجن. تشفي من ألم نبيل، عشق مأخوذا ما في معناها أكثر من شكلها". وإذا به بمصادفة غريبة يجد في حجرة مجاورة بالمصحة ما طال بحثه عنه(!)، حين وجد "عفاف"، ابنة إحدى العائلات الفلسطينية العريقة، التي كانت "تدرس في بيروت أيام الحرب الأهلية. وفي أيام الاجتياح اغتصبها ثلاثة من الملثمين يقال إنهم من الكتائب". وقد استراحت هذه الفتاة له وأنست لشخصه،  وحين تحسنت حالتها، وسمحت لها إدارة المستشفي بالعودة إلى العالم الخارجي، اشترطت أن يكون ذلك في صحبته، فاصطحبها إلى أحد تجمعات المثقفين، لينتهي اللقاء بكارثة حين حاول أحدهم، بعد أن حدثها طويلا، أن يتحرش بها، عندما وضع يده على فخذها!
    واستمرارا لهذا التيار (الدخيل)، يستعيد أمين موقفا آخر بعد أن غادر المصحة،  مشهد خروج الجيش المصري إلى حرب فلسطين، وهو مازال طفلا، و"كان أبوه مصرّا علي أن يخرج بسرعة من الزحام الذي وجد نفسه فيه، بينما أمين الألفي يموت ويبقي في قلب هذا المهرجان".
   فما هو تفسير ما حدث؟!
    قد يتفسر ما حدث، إذا ما أجرينا مقارنة بين إبداع روايتي "زهر الليمون" و"أيام وردية"، فإننا سرعان ما نجد أنه بقدر ما يحسب لبطل رواية "زهر الليمون" ثراء رحلة حياته الخصبة، التي ربما ناء علاء الديب بحملها طويلا حتى نضجت، فجاء ميلادها نتاجا مكتملا، شديد العذوبة والغنى، فإنه على الوجه المقابل يمكننا أن نتخيل أن علاء الديب كفنان كبير، قد اكتوى بنار ما يجري في الواقع من حوله من تحولات خاصة بزوغ ذلك التيار الديني وما يحدث للفلسطينيين، فشاء أن يضع كل ذلك في رواية، مدفوعا بالرغبة في إبداء الرأي، حتى يعكس فيها (مرثية) ألم لهذا الواقع الحزين، فتعرض إلى (خطر) الاقتراب المباشر من واقع محتدم، مازال بعيدا عن مرحلة الاحتضان والحمل داخل مخيلته الإبداعية، بل لم يتفاعل ويلتحم بعد مع رؤاه الداخلية، متعجلا ولادة رواية "أيام وردية"، التي جعل بطلها (ينسحب) في أعقاب هزيمة 67 إلى المنصورة، حيث اقتحم حياته التيار الديني، الذي قادته حاجة عائدة من السعودية، ولبيان مدى تغلغله في الواقع، جعل تأثيره يمتد إلى زوجته اليسارية فتتحجب، ثم تطلب الطلاق منه وهو في المصحة، ليخرج في النهاية (محبطا)، ليعود إلى القرية، إلى حضن الأب الوحيد، الذي سبق أن تخلى عنه،  ليموت هناك في سكون!
    إنها، في نهاية المطاف، رحلة انسحاب وهزيمة، لم يصبر علاء الديب علي حملها طويلا، فجاء نتاجها هشا، ناقص الملامح، غير مكتمل التكوين!