"رسام البلد" حامد عبد الله.. عاشق الأرض والروح

20/03/2016 - 12:09:13

بقلم - شذى يحيى كاتبة مصرية

"لكل قرية فنانها المجهول الذي يبني بيوتها ويزين واجهاتها بطريقة خلاقة مستعملا زخارف هندسية وصورا بدائية ويدخل في صلبها نصوصا مقدسة".. جملة وردت في مقابلة مع الفنان الكبير حامد عبد الله (1917 ـ 1985) مع مجلة كنست الدنماركية عام 1958 تلخص إنجازات الرجل وفلسفته.. أن يكون ببساطة رسام البلد.
  البلد هنا مصر كلها وليس فقط القرية، مصر التي ارتبط بها بحالة عشق صوفية جعلته يفني عمره في البحث في المرئي واللامرئي في دراسة الرسم والتصوير والتقنية والفلسفة والعلوم ليطوف العالم خلف المعرفة والبحث منذ بداية رحلته حتى آخرها، ليعطي أرض معشوقته ترابها وناسها وهواءها وطبيعتها حالة كونية يخلقها بعينه ورؤيته ويمنحها للعالم كله حتى يعرف عظمتها ويسمع كلمتها، حلم عبد الله بأن يكون رسام البلد بدأ مع تفتح وعيه فالطفل الذي كان مولعا بشدة بالتحديق في وجوه أقاربه عرف هدفه يوم رسم له عمه أسدا من مخيلته. فعل أيقظ فيه الدهشة والشغف والحلم، حلم راوده يومها وظل يسعى لتحقيقه طوال حياته. كان لحلمه شقان لخصهما في مقولتين.. الأولى "إني أسعى لتصوير الشعب للشعب وأتمنى أن أتمكن من التعبير عن آمال الشعب وعن كفاحه في الحياة"، والثانية "لغة الرسم هي لغة العالم إني شديد الاهتمام بالتفاهم بين البشر في العالم وإني أدرس حثيثا هذا الموضوع من خلال علاقته بالفن ربما توجد بعض الاختلافات بين شخص وآخر لكنها غير موجودة بالضرورة بين البشر". وفي قوله أيضا "الفن وحده قادر على خلق علاقات بين الأمم رغم كل شيء لأنه يتحاور مع الإنسان في كل الأزمنة والأمكنة وهو ثمين جدا لهذا السبب".
  منذ اللحظات الأولى لمشواره حدد حامد عبد الله هدفه وخاض رحلته في الزمان والمكان لتحقيقه، ومنذ بدايات مشواره أدرك ابن حي المنيل في القاهرة، سليل الفلاحين وأبناء البلد، أن عليه دوما أن يدرك أن عمله الفني المحمل بروح شعبه وهواء وطنه لا بد أن يكون متفردا وشخصيا ونابعا من إيمان ورؤية خاصة به، وأن عليه دائما أن يحرص على التوازن بين الفكر والتقنية، وأن عليه أيضا أن يبدع عالمه الخاص؛ فلا يقتبس عناصره من الطبيعة ولكنه يقوم على الواقع على أسلوب حياة البشر وتفاعلهم مع الواقع العميق لوجودهم الإنساني بعيدا عن قشرة المظهر الخارجية. لم يكن فنانا تجريديا، قال عن نفسه: "إلا أن مبدئي كفنان شرقي هو أن أرسم الطبيعة كما أراها بفكري لا كما أراها بعيني"، إنه دائما ما يحتفظ بتلك العلاقة المتينة مع الحياة الواقعية رغم البعد عن التمثيل الطبيعي، وهو ما تؤكده لوحاته منذ البدايات مثل "السوق" 1940، و"في المقهى" 1938، و"تأمل" 1951، حيث أدرك أن دوره كفنان هو التعبير وليس الحكاية أو كما يقول: "الفن يعبر ولا يروي، يشير ولا يشرح"، فاستلهم مصر بطبيعتها بألوانها بأجساد أبنائها البسطاء، العمال والفلاحين، بتلألؤ ضوء الشمس فوق النيل. استلهم خطه من تشققات أرض الفلاحين فظهر الخط الأسود القوي المميز إلى جوار اللون الأبيض والألوان الساطعة، ورويدا رويدا بدأت العلاقة بين الشكل والفراغ تتحد، وأصبحت له سمات أكثر نحتية ووضوحا، وهكذا طور عبد الله أسلوب "رسام البلد" الذي جعله متفردا عن أقرانه ومعاصريه، أسلوب جعل قاموس "بيتي لاروس" الفرنسي للفنون يثني عليه مسجلا "الدور التثقيفي الذي يلعبه هو استبعاده المشاهد الخلابة للفضاء الواقعي من عمله ليطوع موضوعاته لمتطلبات البناء التشكيلي، فهو رفض الفن الرسمي من أجل أن يطور أسلوبه الشخصي المتواصل مع حقيقة الواقع المصري وعلى مدى أكثر من خمسين عاما عمل دون توقف، مخلفا وراءه عددا كبيرا من الأعمال الفنية واللوحات والأعمال الليثوغرافية، لتشهد لنا هذه الأعمال اليوم عن بحثه الدائم وعن إبداعه الذي لم يتوقف عند حد".
    لكي يصل لهذا الأسلوب لم يكتف الفتى حامد عبد الله ـ الذي رفضته مدرسة الفنون الجميلة لأنه لم يحصل على الثانوية وكان حظه من التحصيل الدراسي شهادة من قسم الحديد المشغول في معهد الفنون التطبيقية المجاني بالجيزة ـ بدراسة تاريخ الفن العالمي وسير كبار الفنانين العالميين، وكتب الفلسفة والأدب والسياسة وعلم الجمال، بل سافر إلى عمق مصر، إلى قلب النوبة وأسوان. درس الفن الفرعوني والبطلمي والروماني والقبطي والإسلامي، وظل منحازا للشعب للفن الشعبي وللإنسان الشعبي وللتعبير الشعبي حتى وهو في إقامته الأولى في باريس كان مهموما رغم صعود نجمه بأهله، وكتب وهو في مدينة النور سنة 1951 نصا عنوانه (الطريق) قال فيه: "الطريق الذي أعنيه ليس الطريق الذي يسلكه الفرد ذهابا وجيئة، بل طريق الحياة، الطريق الذي أعنيه هو طريق الناس طريق من إذا فهم أعداء الحياة مرارة الشقاء.. بل شقاء الجبابرة الذين تلقوا ضربات القرون في احتمال بطولي من لا يملكون شيئا غير النفوس الكبيرة المفعمة بالأمل".
    عاد عبد الله إلى مصر وشارك بدور فعال في إحياء الحركة الفنية في مصر بعد ثورة 1952، وفي عام 1956 جاب العالم في جولة معارض في باريس وأمستردام وروتردام وكوبنهاجن، شارك في قضايا بلده منذ العدوان الثلاثي (1956) وشارك في الحرب ضد الصهيونية، ظل مهموما بوطنه ممثلا له، فكتب في إحدى دراساته: "تنتمي أعمالي إلى التقاليد العربية المصرية، إنها تتموضع في مسار تطور حضارتنا، ليست غلطتي إذا تم التعرف في عملي على بعض العناصر التي كنتم أنتم الغربيين قد استوحيتموها من حضارتنا"، لم يهمل عبد الله يوما الفن الغربي وتقاليد المدارس الغربية بل الفن الصيني والياباني والفنون الشرقية بوجه عام لكنه مزجها جميعا مع موروث قبطي فرعوني إسلامي شعبي ومناظر من ذاكرة الحياة اليومية وأضاف له رؤيته وطابعه وأسلوبه ليعطي متلقيه عملا فنيا بمثابة رحلة زمانية مكانية تحمل فرادة أسلوبه وملامحه الخاصة لذلك قال: "على الفنان أن ينظر عبر الآخرين وأن يرى التقاليد الثقافية للشعوب الأخرى ليستطيع أن يتعرف فعلا على ثقافته، من جهة أخرى كنت أطمح ومازلت لأن يكون عملي بطريقة ما جسرا بين عالمينا وأن يساعد على خلق تفاهم مشترك"، كانت رحلته لكنيسة البلاتين في باليرمو عام 1957 مثالا على هذا، فقال الناقد الإيطالي فرانكو غراسو: "هنا بحث حامد عبد الله عن أكثر من إلهام، لقد بحث عن ذكريات متجذرة في اللاوعي عن ماضيه وهو ما يثبت نبل وعراقة فنه وأصالته"، مثال على معرفة كيفية بناء هذا الجسر وجوه البلاتين التي رسمها وكانت بداية لما أطلق عليه ارتجالات خطية. فيما بعد ثم جاء تصريح الناقد الدنماركي بولزان: "عبد الله هو شعلة حقيقية عاصفة من الصحراء الحارقة أمامنا الكثير لنتعلمه منه" دليلا على نجاحه في تحقيق هدفه.
    ولم يبخل حامد عبد الله بخلاصة أبحاثه ودراساته بل كتب دراسة عن التأثر المتبادل بين الشرق والغرب، وأخرى عن رمبرانت وجيوتو وسيزان، ومواضيع فنية أخرى، لم يقف إبداع عبد الله عند ذلك بل سعى منذ بداية حياته إلى استكشاف إمكانيات الخامات وليس اللون وتأثيراته والذي أثبت مهارة غير عادية في استعمالها فقط لكن براعته في ابتكار واستنباط الملامس كانت فائقة فتلاحظ تلك التشققات التي تذكرك بطمي النيل في أوقات الجفاف أو بشقوق على الحوائط المصنوعة من طين الأرض والمطلية بطبقات من الجير غير المتساوي المحبب التي كان يصنعها بالعجائن والورق المكرمش أو القطران المغطى بورق فضة ومحمي بلهب اللحام ربما ليعطي إحساسا بصريا رآه لحرق الحديد بآلة اللحام في المدرسة كما كان يستعمل بالإضافة للمعاجين البوليستر والجبس والأسمنت والجير والخيش، وكل يتاح له ليصل للملمس البصري الذي يريده ويضفي قوة ورونقا على الخطوط والألوان فوقه، خلق عبد الله حائطه الخاص الذي يرسم عليه ما يراه تعبير فردي ترتبط جذوره بروح الشعب ووضع عليه رسومه وزخارفه ونصوصه، ففلسفته في الكلمة بسيطة ومستمدة من الديانات. تقول زوجته إنه كان دائما ما يردد أجزاء من الكتب المقدسة في الميثولوجيا المصرية "ولد تحوت الذي خلق العالم من الكلمة"، في الإنجيل "في البدء كان الكلمة"، في القرآن الكريم "الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون"، على مر تاريخ الإنسان كانت الكلمة مقدسة الكلمة شفرة الخلق علامة البداية، مفتاح الحياة. الأرض كلمة والإنسان كلمة، للكلمة روح وحياة وخلود فهي حاملة إرث الوطن والبشر.
    كلمات حامد عبد الله ليست مجرد حروف على سطح لوحة بل هي نصوص متكاملة تحمل في جانب منها شكلا تصويريا خطيا يتضمن قدرا عاليا من الصرحية النحتية، وتتداخل الألوان وأحيانا البريق المعدني مع الخامات غير المألوفة في أحيان كثيرة لتعضيد هذه الصرحية، لكن لهذه الكلمة في جانب آخر بعدا جسديا بكل خطوط وتقاسيم الجسد، وهي ككل متكامل تنتمي لعالم روحي تذوب فيه حدود الجسد مع حدود الحرف ليشكلا سويا معنى العمل الفني في ذهن المتلقي خالقا حالة مزج خلاق وديناميكي بين المعنى اللفظي والتجسيد التشكيلي، مثل مجموعة لوحات المحبة ولوحات الأحرف القاف والهمزة والكاف، والعشاق في هذا العالم الروحي. مطلوب من المتلقي أن يرى ما خلف الحرف وما خلف الجسد، أن يرى الذرات ويشعر بها في إطار الوجود الكلي.
    أراد عبد الله أن يحاكي المصري القديم عندما جعل من الصورة إشارة وكانت هذه الإشارة حرفا أراد أن يجعل من الحرف العربي مرآة لما يعبر عنه أن يجعله انعكاسا للمعنى المقصود في ذهن المتلقي أو القارئ. يبدو هذا جليا في مجموعات طلسم "استسلام- مقاومة- ثورة – عبودية- الشريدة- الحرية- أمل- القذارة- المرض.. إلخ"، وقد ظل يرسم كلمات تشكل معاني خاصة في وجدانه ووجدان ناسه، عاصر هزيمة 1967 وواكبها بأعماله ووفاة جمال عبد الناصر ونصر 1973 ومعاهدة كامب ديفيد التي رآها عارا وانهزاما واستسلاما، واستمر وفيا لفكرة "رسام البلد" المعبر عن أحلامه وآماله وأفراحه وأحزانه كما ظل يعلم ويتعلم ويبهر العالم بصوره وأشكاله الهندسية ونصوصه المكتوبة وميراثه العميق وضفيرته المعرفية الفنية والفلسفية وروح المصري الأصيل الوفي لوطنه وعروبته وميراثه الحضاري يخلخل الثوابت ويدهش الأعين حتى وفاته في 31 ديسمبر 1985 بباريس لتحتضنه بعدها أرض مصر محبوبته في آخر طقوس العشق عندما يضمه صدر الحبيبة ليلتحم بذرات ثراها ويفنى العاشق في المعشوق ويعود رسام البلد الذي لم يكن أبدا مجهولا إلى أرضه وأصله بعد أن علم العالم الكثير، وبين يناير وفبراير (2016) في الذكرى الثلاثين لوفاته استضافنت قاعة "أفق" بمتحف محمود خليل وحرمه معرضا استعاديا له بالتعاون مع جاليري كريم فرنسيس، لتثري عشاقه وتعرف الأجيال الجديدة من الفنانين على مدرسة من الفن المصري الأصيل.