أغنية عمرها أكثر من ألف عام!

20/03/2016 - 12:03:54

بقلم - د. نبيل حنفي محمود كاتب مصري

أن تبقى الآن أغنية في أسماعنا لأكثر من بضعة أسابيع وربما أيام، فإن ذلك يعد من قبيل المصادفة والأمور الخارقة، قبل ذلك وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ترك نجوم الغناء أعمالا مازالت تتردد في الإذاعات والفضائيات والمهرجانات حتى الآن، والسبب في بقائها يتمثل في جودة النص الغنائي وبلاغته، فما بالنا بما حواه كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني من نصوص غنائية تعد آية في الصنعة والبلاغة، لذلك لم يكن غريبا أن نستمع بإعجاب وانبهار – قرابة منتصف القرن العشرين – إلى أغنية قوامها نص شعري يعود لأواخر القرن الثاني للهجرة، ولم لا؟ وناظم ذلك النص هو الحسن بن هانئ، أبو نواس.


أبو نواس من أعظم شعراء الدولة العباسية، ولد حوالى 141هـ بقرية باب النار (أستانة أتار)، إحدى قرى مدينة الأهواز الواقعة بين البصرة وإيران، وكان والده هانئ جنديا عربيا في حامية الأهواز، بينما كانت أمه جُلبان: فارسية من أهل هذه القرية، وعندما سُرّحت الحامية الأموية بالأهواز بعد سقوط الدولة الأموية، عمل هانئ برعي الغنم ومساعدة زوجته في الحياكة ونسج الجوارب، ورزق بعدة أولاد، تذكر المصادر التاريخية منهم: إسماعيل وأحمد أبا معاذ، غير أن الحسن الذي عرف باسم أبي نواس هو أشهرهم على الإطلاق، حيث اتفق معظم النقاد على أنه أشعر شعراء العربية المحدثين (عبد الرحمن صدقي: أبو نواس – قصة حياته في جده وهزله)، عاصر أبو نواس ثلاثة من أشهر الخلفاء العباسيين: الرشيد والأمين والمأمون، ووافته المنية سنة 195 هجرية عن تسع وخمسين سنة ودفن بالشونيزي في بغداد (ابن الأثير: الكامل في التاريخ)، واشتهر في ذلك العصر حتى الآن باللهو والمجون وشرب الخمر، حيث يقدم الكثير من شعره الدليل على هذه الشهرة السيئة، ومن ذلك ما جمعه ابن منظور المصري – صاحب "لسان العرب" – في فصل من كتابه "أخبار أبي نواس"، وقد جعل ابن منظور عنوان ذلك الفصل كما يلي: "أبو نواس في عبثه ولهوه ومباذله"، إلا أن ما صاغه أبو نواس من شعر في الخمر يجعل منه أعظم شعرائها في العربية، ومن بديع شعره فيها ما نقله ابن منظور في كتابه:


لا تسم المُدام إن لمت فيها / فتُشين اسمها المليح بفيكا


فاسقيانا يا ساقيينا عُقارا       / بنت عشرٍ تخال فيها السبيكا


وإذا الماء شجّها خلت فيها / لؤلؤا فوق لؤلؤ مسلوكا


ومن روائع شعره التي تنهض دليلا على مجونه وجيد وصفه للخمر، القصيدة التي أثبتها ابن منظور في الفصل المشار إليه قبلا من كتابه "أخبار أبي نواس"، ويبدأها بهذا البيت:


وناهدة الثديين من خدم القصر


سبتني بحسن الجيد والوجه والنحر


ويقول في آخرها:


فقلت لها: أهلا، ودارت كؤوسنا


بمشمولة كالورس أو شعل الجمر


فقالت: عساها الخمر، إني بريئة


إلى الله من وصل الرجال مع الخمر


فقلت: اشربي، إن كان هذا محرما


ففي عنقي يا ريم وزرك مع وزري


وعندما سئل أبو نواس عما يراه جيدا من شعره، قال: "أشعاري في الخمر لم يقل مثلها، وأشعاري في الغزل فوق أشعار الناس، وهما أجود شعري، إن لم يزاحم غزلي ما قلته في الطرد!" (ابن منظور المصري: أخبار أبي نواس)، والطرد في حديث أبي نواس هو الصيد، وعندما سئل أبو العتاهية عن أشعر الناس في الجاهلية والإسلام، أجاب: أبو نواس، وقال أبو العتاهية أيضا: "قلت في الزهد ستة عشر ألف بيت، وددت أن أبا نواس له ثلثها بهذه الأبيات"، وأما الأبيات الثلاثة التي ذكرها أبو العتاهية، فكان نصها الذي أورده ابن منظور:


يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر


من لم يكن لله متهما / لم يُمس محتاجا إلى أحد


إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت / له عن عدوٍ في ثياب صديق


إن شعرا كشعر أبي نواس، لم يكن لتمر عليه ذائقة الملحنين في عصره وما جاء بعده، دون أن تفيد منه وتبني عليه كل بديع من الألحان، وها هي بعض مصادر الأدب والتاريخ – التي اهتمت بالغناء وأخباره – تحفظ الكثير من أشعار أبي نواس التي تغنى بها المشاهير من الأصوات الغنائية، بل اهتمت بعض المصادر – مثل كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني – بإثبات بعض البيانات الفنية الخاصة بتلك الألحان، فمن الأصوات التي تغنت بأشعار أبي نواس والتي ذكرها الأصفهاني: عريب – عمرو بن بانه، أبو العبيس بن حمدون، إبراهيم بن المهدي، جارية لهارون الرشيد وسُليم، ومن الألحان التي اتخذت لأبيات من شعر أبي نواس... اللحن الذي وضع للأبيات التالية:


أصبح قلبي به ندوب /          أندبه الشادن الربيبُ


تماديا منه في التصابي / وقد علا رأسي المشيبُ


أظنني ذائقا حمامي / وأن إلمامه قريبُ


إذا فؤاد شجاه حب / فقلما ينفع الطبيبُ


وأثبت الأصفهاني في الصفحة 166 بالجزء السادس من "الأغاني" عن ذلك اللحن: "الشعر لأبي نواس والغناء لسُليم، وله فيه لحنان: خفيف رمل بالنصر عن إسحاق، وهزج بالوسطي عن الهشامي، وزعمت بَذْلُ أن الهزج لها"، ومن النوادر التي حفظتها بطون المصادر عن شعر أبي نواس المغنى، ما نقله الأصفهاني عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: "غنى إبراهيم بن المهدي ليلة محمد الأمين صوتا لم أرضه في شعر لأبي نواس وهو:


يا كثير النوح في الدمن / لا عليها بل على السكن


سنة العشاق واحدةُ / فإذا أحببت فاستكن


ظن بي من قد كلفت به / فهو يجفوني على الظنن


رشأ لولا ملاحته / خلتِ الدنيا من الفتن


فأمر له بثلثمائة ألف درهم"!!


توالت الأيام وتقلبت الدول، ولسنا نعلم فيما بلغنا من أخبار الدول التي أعقبت الدولة العباسية شيئا عن ألحان وضعت لشعر من نظم أبي نواس، حتى إذا بلغ بنا تصفح أخبار ما بين عشرينيات وسبعينيات القرن العشرين، والتي تسمى "العصر الذهبي الأخير للغناء المصري" وجدنا واحدة من أشهر قصائد أبي نواس قد تحولت إلى أغنية مازالت تتردد في أجهزة الإعلام حتى الآن، وقبل أن نتحدث عنها، فإن الواجب والأولوية يحتمان أن نبدأ أولا بقصة تلك القصيدة.


بين المجون والوجد


تولع أبو نواس في حياته بكثير من النساء، منهن المغنيات والقيان والجواري، ولكنه ما أحب وعشق سوى "جنان" جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي المحدث، أحد الأئمة وله كتاب في الحديث، وقد اتفق جميع من تحدثوا عنها على أنها "كانت مقدودة حلوة بديعة الحسن، أديبة ظريفة عاقلة، تعرف الأخبار وتروي الأشعار" (عبد الرحمن صدقي: مرجع سابق)، ولأبي نواس في جنان أشعار كثيرة حفظتها الكتب وتناقلها الرواة، ومن شعره الذي شبب فيه بها الأبيات التالية، التي أرجو أن يطلع عليها أنصار الشعر الجديد، ليطالعوا مدى الدرك الذي هوى إليه الشعر الآن:


لما تكشف عني أنني كلف


كشفت أيضا لهم عمن به الكلفُ


جيمٌ وجدت لها نونين، بينهما


ـ لمن تهجي اسمها أو خطّه - ألِفُ


يضمه من ثقيف بعضُ دورهمُ


ما بينكم بعد ذا التبيان مختلفُ)!!!


ولما كابد أبو نواس من مشاق في الاقتراب من جنان والتحدث إليها حكايات وحكايات حفظنها الكتب ورددها الرواة، فكان لا يفلت فرصة لرؤيتها حتى ولو في المآتم، مما جعل زوج مولاتها عمارة بنت عبد الوهاب الثقفي يبالغ في سترها والتضييق عليها، حتى كاد أبو نواس يفقد عقله لفرط حبه لها، فلما جاءه من أصحابه من يخبره بعزم جنان على الحج، أجابه بقوله: "أما والله... لا يفوتني المسير معها والحج عامي هذا إن أقامت على عزيمتها"، وأما ما كان من أمر أبي نواس خلال مناسك الحج، فقد تحدث عنه معاصر له هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن حماد بن عطاء بن ياسر الشهير بالجماز فقال: "حججنا في السنة التي حج فيها أبو نواس، فالتقينا في الطواف جميعا، ثم تقدمني، فكنت أراه خلف امرأة، ولا أكاد أراه إلا خلفها، وهما أمامي، فلم أدر من هي، ثم صرت إلى الحجر الأسود، فإذا أنا بالمرأة تلثم الحجر، وإذا هو قد لثمه معها، حتى ألصق خدّه بخدّها، فقلت: هذا أفسق الناس، ثم تفطنت.... فإذا هي جنان، فلما انصرفا.... لقيته، فقلت له: ويحك! في هذا الموضع لا يزجرك زاجر، ولا يمنعك خوف الله عز وجل، ولا يردك حياء من الناس؟ قد رأيتك وما صنعت اليوم، فقال: يا أحمق! وحسبت قطع المهامه والسباسب والرمال إلا للذي حججت له وإليه قصدت". (ابن منظور: مرجع سابق) والمهامه: جمع مهمة وهي المفازة البعيدة والبلد المقفر، والسباسب جمع سبسب وهي المفازة أيضا (المعجم الوجيز)، وقد أعقب أبو نواس حديثه إلى الجماز بإنشاده خمسة أبيات استهلها بالبيتين التاليين:


وعاشقين التفّ خدّاهما / عند التثام الحجر الأسود


فاشتفيا من غير أن يأثما / كأنما كانا على موعد


أراد المولي عز وجل ألا يمر حج أبي نواس على هذه الصورة الشائهة، فتحركت قريحته الشاعرة لما سربل الليل مكة، فانطلق يلبي بشعر ويحدد وينغم بصوته، والحجيج من ورائه يرددون معه:


إلهنا ما أعدلك / مليك كل من ملك


لبيك، قد لبيت لك / لبيك إن الحمد لك


والملك، لا شريك لك / ما خاب عبد سألك


أنت له حيث سلك / لولاك يارب هلك


لبيك إن الحمد لك / والملك لا شريك لك


كل نبيّ وملكْ / وكل من أهلّ لك


وكل عبد سألك /    سبحّ أو لبّي، فلك


لبيك إن الحمد لك / والملك لا شريك لك


والليل لما أن حلك / والسابحات في الفلك


على مجاري المنسلك / يا مخطئا ما أغفلك


عجّل وبادر أجلك / واختم بخير عملك


لبيك إن الحمد لك / والعز لا شريك لك


والملك لا شريك لك / والحمد والنعمة لك


الأغنية


ثوت هذه الأبيات بين دفات أمهات كتب الأدب وديوان أبي نواس لأكثر من ألف سنة، لم يعرف خلالها أن أحدا من نجوم الغناء قد جمل صوته بإنشاد لحن وضع لها، حتى وقعت عليها النظرة النافذة للموسيقار المبدع محمد فوزي عام 1954، فانتقى مجموعة منها ووضع لها لحنا فائق الجمال، بناه أو جعل نواته لحن التلبية المعروف منذ الجاهلية، والذي يردد فيه حجاج بيت الله الحرام النص التالي: (لبيك إن الحمد لك / والملك لا شريك لك)، أسبغ فوزى على لحنه أجواء البهجة والانطلاق، عندما أسند دور المصاحبة الإيقاعية للحن التلبية إلى البنادير، والبنادير جمع (بندير) أو المزهر، وهو كالدف مزود بخمسة أزواج من الصنوج النحاسية، وأكثر من يستخدمه هم الدراويش وأصحاب الطرق الصوفية (غطاس عبد الملك خشبة: المعجم الموسيقي الكبير).


أذيع اللحن الذي وضعه محمد فوزي وتغنى فيه ببعض أبيات القصيدة الشهيرة لأبي نواس وعبر موجات البرنامج العام للإذاعة المصرية في العاشرة من مساء الاثنين 11 جمادى الثانية سنة 1373 هجرية (15 ديسمبر 1954) ليحقق نجاحا متصلا منذ إذاعته الأولى حتى الآن، فلم تغب "تلبية" محمد فوزي يوما عن احتفالات الإذاعة بالحج أو بغيره من المناسبات الدينية، ليكون ذلك مصداقا لمقولة إن الغناء الخالد أساسه ومبتدأه نص جيد.