عزم الثقافة العلمية.. رؤية مستقبلية

20/03/2016 - 11:10:58

بقلم -د. محمد رؤوف حامد أستاذ علم الأدوية، كاتب مصري

"لم أكن أبدا أعرف أن العلم يمكن أن يكون مفيدا جدا للبيزنس.. إنها حقيقة مدهشة". جاءت هذه الكلمات  كتعليق من كريس أوترام  Chris Outram (شريك فى مؤسسة OCEC Strategy Consultants) على أطروحات بشأن دور استيعاب النظريات العلمية فى "البيزنس".


   وإذا كانت خصوصيات البيزنس كنشاط إنسانى تجعل له وللقائمين عليه طموحات عالية فى الاستفادة من العوامل الداعمة للنجاح، ومن بينها المعرفة العلمية، فإن كافة مجالات الحياة الإنسانية، وليس فقط البيزنس، بحاجة إلى الاستفادة من هذا النوع من المعرفة.


    فى هذا الخصوص يمكن ملاحظة أن الزمن الحالى، وخاصة منذ نهايات القرن العشرين، يشهد تغييرات جذرية فى "الحس" بالمعارف العلمية، وفى معانيها وتطبيقاتها. بحيث صار من غير المستحب أن تكون هناك أية رؤى أو مواقف أو سلوكيات من (وبين) أية كيانات إنسانية (على مستوى الفرد أو الجماعة أو المؤسسة أو الدولة...إلخ) لا تأخذ فى الحسبان ما يمكن اعتباره من مفاهيم وقوانين لمعارف علمية ذات صلة.


    بمعنى آخر، صارت المقاربات والتطبيقات بشأن العلاقات الإنسانية، وعمليات اتخاذ القرار، وأنشطة تطوير الإنتاج والخدمات، والمستقبليات.. جميعها لا تكون فى أصوب حالاتها، ولاتقود إلى أحسن مخرجاتها، ما لم يكتمل توليدها، واختبارها، من خلال الاستفادة بالمعانى والمفاهيم الثقافية العلمية.


    من هنا يمكن القول بأن للمعرفة العلمية "قوة"، وأن هذه القوة تنعكس فى تحسين وإنضاج واكتمال أية أعمال وأية مخرجات. وعليه، بقدر "وزن" (أو "حجم") هذه القوة وبقدر "سرعة" تطبيقها يكون العزم Momentum المؤثر بالتحسين والإنضاج والاكتمال. إنه إذن "عزم الثقافة العلمية".


    من هذا المنظور يهدف الطرح إلى جذب الانتباه لنماذج من المعارف العلمية التى يكون من شأن استيعابها توليد عزم يؤدى إلى "الأمثلية" فى سائر الممارسات الحياتية، بمعنى التحسين والقوة والتسريع.


    وعليه، تجرى الإشارة فيما يلى إلى نماذج من المفاهيم الثقافية العلمية وأبعادها فى التطبيقات الحياتية:


1- مفاهيم "التطور" وعلاقاتها بما هو أبعد من مسألة أصل الإنسان:


    لقد ركّز دارون على أن "الانتقاء الطبيعي" يعتمد على التباين Variation، والتنوع Diversity. حيث إنه بدون تباينات وتنوعات مفيدة يكون الانتقاء الطبيعى غير قادر على فعل مفيد.


    الفكرة هنا أن التباين يؤدى إلى مواءمة أفضل بشأن مجابهة التحديات. وأما التنوع فيؤدى إلى الاستخدام الكفء للموارد المتاحة.


    الحيوية الهائلة للمعانى المتضمنة فى فكرة الانتقاء الطبيعى، كجوهر رئيسى لنظرية التطور (1859)، تتجسم فى العديد من النظريات والمفاهيم التى ظهرت بعدها، ليس فقط فى مجالات البيولوجيا، بل أيضا فى مجالات مثل الاقتصاد والإحصاء. أهمية فكرة الانتقاء الطبيعى تدفع إلى وجوب الانتباه العميق لمعانيها وللقوة المتضمنة فيها، فيما هو أبعد من التوقف التقليدى بنظرية التطور عند مسألة ما إذا كان الإنسان أصله قرد(؟!).


   أما عن المفاهيم والنظريات والقوانين العلمية الأخرى التى تتواصل معانيها مع فكرة الانتقاء الطبيعى (كفكرة مركزية) فيمكن الإشارة إلى أهمها كما يلى:


ـ المبدأ العلمى الذى توصل إليه بائير Baer  (1792 – 1879)، والذى ينص على أن "الخصائص الأقل عمومية (أى الأكثر تخصصية) تنمو من الخصائص الأكثر عمومية، الأمر الذى يتواصل حدوثا حتى الوصول إلى الخصائص الأعظم تخصص".


ـ نظرية فيشر Fisher (1930) بخصوص الانتقاء الطبيعى، والتى تقول إن قيمة المتوسط لبيانات مقاييس الجودة الجسمانية (أو البدنية) Fitness لعينة من الناس تتطور فى النمو من جيل إلى جيل تنمو (قيمة هذا المتوسط) أسرع وأسرع كلما كانت بيانات مقاييس الجودة أكثر تباينا.


    بمعنى آخر، تقود زيادة التباين إلى زيادة التحسين، الأمر الذى يؤدى إلى نمو أسرع.


ـ تجربة جاوس Gause  1932): أثبت جاوس فى تجارب معملية بسيطة أنه فى حالة وجود محدودية غذائية فإن الكائنات الحية من أنواع مختلفة يمكنها عند التزاحم أن تتعايش مع بعضها. بينما إذا كان التزاحم من كائنات من نفس النوع، فإن الأمر ينتهى بأن تقتل هذه الكائنات بعضها بعضا.


    وهكذا، فى غيبة التباين فى النوع يؤدى التزاحم إلى التدمير، بينما فى وجود التباين يتحول التزاحم إلى فرصة لتنافسية مثمرة.


ـ قانون باريتو Pareto (20/80)، والذى وُضع عام 1896. يقول هذا القانون إن قلة Minority من العاملين، فى أى بلد وأى زمان، يحصلون على نسبة أكبر من الدخل مقارنة بأغلبية العاملين.


    وبتحديد أكثر، أعضاء ال 20% الأعلى فى أى توزيع (من البشر/ أو السكان) يحصلون على (أو يمثلون) 80% من القوة و/أو الدخل و/أو التأثير.


    وهكذا، يمكن القول إن فكرة "الانتقاء الطبيعى" التى تلتقى معها وتجسمها تلك الأفكار والمفاهيم والقوانين المشار إليها أعلاه، إنما تؤكد على التنافسية كمعيار أساسى أصيل Basic Norm فى طبيعة الأمور. ذلك بينما هى – فى الوقت نفسه – تؤكد على التقدم كمسار ناجم عن هذه التنافسية.


    استيعاب فهم التنافسية والتقدم، كما هو وارد فى الطبيعة، يحتاج  (من أجل التطبيق المتكامل على المستوى الحياتى الإنسانى) إلى اعتبارات تنظيمية معينة تأتى على رأسها ضرورة تجنب تزييف التنافسية.


    تزييف التنافسية هذا يمكن أن يتداخل سلبيا مع التنمية البشرية من خلال – على سبيل المثال – عمليات التدخل لترجيح كفة كائن (أو عضو) على آخر دون اعتبارات للكفاءة، أى ما يسمى علاقات "الواسطة" و"المحسوبية" و"المصالح الخاصة".


    يمكن أيضا أن يجرى تزييف التنافسية باستغلال عناصر الضعف فى العينة البشرية (مثل الجهل والفقر والمرض) كعناصر قوة لأطراف أخرى. ذلك أن غياب معالجات منظومية لعوامل الضعف هذه ولآثارها الجانبية (أى الآثار الجانبية للجهل والفقر والمرض) يعطى الفرص لانتعاش الممارسات الاستغلالية من جانب أصحاب المصالح الخاصة، سواء على مستوى المجتمع الواحد (أو حتى على المستوى الدولى).


    وبالأخذ فى الاعتبار لمفهوم آخر ذي صلة غير مباشرة، وهو مفهوم التعاونية التنافسية (أو Co-opetition)، والذى برز عام 1996، فإن الحاجة للتنسيق والتناغم بين أنشطة التعاون (باعتبارها أنشطة مولدة للقيمة) وأنشطة التنافس (بحكم طبيعتها القاصدة للاستحواذ على القيمة) تحتاج إلى وجود مستوى أعلى حاكم (أو منسق) يُعنى بتجنب الصراعات أثناء عمليات التعاون التنافسى.


2- تنوعات وتطورات قوانين الطبيعة وانعكاساتها على تنوعات وتطورات الإدارة:


    مع استيعاب التطورات (أو التحولات) فى مفاهيم الفيزياء من اليقين النيوتونى حتى اللايقينية، ومن الثقة المطلقة إلى الشك، ومن التوقع إلى اللاتوقع، بات من الواضح أن الإدارة القائمة على نظرية الكوانتم تختلف جذريا فى طبيعتها عن الإدارة المترسمة ليقينية نيوتن.


    بينما الإدارة النيوتينية تأخذ شكل المنظومية الهرمية الجامدة إلى حد ما، الأمر الذى يكون أكثر ملاءمة للأعمال الروتينية وللأنشطة الرقابية بشكل نسبى، فالإدارة القائمة على نظرية الكوانتم تكون شبكية وتتسم بدرجات من الحرية أعلى كثيرا، حيث هى غير روتينية وتهدف إلى الإبداع والتغيير.


    وهكذا، قد يتسبب عدم التمييز بين النوعيات المختلفة من الإدارة ـ بالاعتماد على رؤى ثقافية علمية ـ فى التدنى بأداء المؤسسات لمهامها وبتنافسياتها.


3- البلاستيكية العصبية ومتطلبات التقدم:


   البلاستيكية العصبية Neuroplasticity تُعنى بحدوث تغييرات بيولوجية إيجابية فى الشبكة العصبية داخل المخ والتى تأتى نتيجة للأنشطة الذهنية. وتتمثل هذه التغييرات فى تنشيط الوظائف البيولوجية للأعصاب، وعلى وجه الخصوص تكوين وصلات عصبية جديدة Synapses وكذلك مستقبلات جديدة Receptors.


    على المستوى الفردى تسهم هذه البلاستيكية فى تنشيط القدرات الذهنية والعافية الصحية. وأما على المستويات الأعلى (فرق العمل والمؤسسات... الخ) فإنه يمكن تصور وجود ما يمكن أن نطلق عليه "البلاستيكية العصبية المجتمعية"، والتى تؤدى فى النهاية إلى زيادة الإمكانات (والمرونات) المجتمعية بخصوص إحداث التقدم.


    هذه "البلاستيكية العصبية المجتمعية" يمكن لمسها عند إدراك التباينات فى السلوكيات والعلاقات والطموحات عبر المجتمعات المختلفة، مثل المجتمعات الصناعية مقارنة بمجتمعات الرعى والزراعة، ومثل مجتمعات النمور الاقتصادية مقارنة بمجتمعات البلدان الأقل نموا، والتى لم تلحق بالتقدم الاقتصادى بعد.


4- الجينات الثقافية (أو المميس).. وكيف تُختنق بالعاطفة:


    المقصود بالمميس  Memes(طبقا لـ Dawkin - 1989) وحدات الانتقال الثقافى بين الناس، وبين الأجيال، والتى تشبه فى فعلها الجينات الوراثية. الانتقال هنا يكون – أساسا – من خلال التعلم و/أو التقليد.


    بشأن هذا النوع من الانتقال (أو التوريث)، والذى هو ثقافى (مثلا: الانتقال لفكرة أو لموضة أو لطريقة فى التعبير...الخ)، يشير داوكين إلى أن الانتقال يكون من عقل إلى عقل آخر.


    الجدير بالانتباه هنا أن عمليات التعلم، ومن ثم العمليات الخاصة بانتقال الجينات الثقافية، تتم من خلال تفاعلات واستيعابات ذهنية صرفة، وليست أبدا من خلال العاطفة (أو التحيزات العصبية). بمعنى أن تسيدات العاطفة  (أو التحيزات العصبية) تعنى اختناق وانغلاق الجينات الثقافية (أو المميس)، وتوقف عمليات الانتقال.


    هذا الاعتبار ليس مضادا للعاطفة المتزنة كظاهرة بيولوجية إنسانية، وإنما هو يشير إلى الحاجة لرعاية ودعم فرص انتقال وتنمية المفاهيم الثقافية (على مستوى الأفراد والمجتمعات) عبر التواصلات العقلية المحضة بقدر الإمكان.


    إنها حاجة تختص بالذات بمفاهيم وقوانين المعرفة العلمية، والتى هى القوة الدافعة لحركيات الثقافة العلمية.


5- فيزياء المصادفة.. أو متى تكون العشوائية غير عشوائية؟:


    منذ سنوات كنا نحذر من العشوأة، بمعنى إحداث العشوائية بقصد، وهو أمر سنعود إليه لاحقا، أما الآن، وفيما يتعلق بالمصادفة، فالمقصود بها هنا تلك العشوائية التى تبدو فى حدوثها تلقائية، أى بدون قصد.


    فى هذا الخصوص يقول Henri Poicare (1908) إن "سببا صغيرا للغاية، لا نلحظه، يؤدى إلى تأثير ما، والذى لا يمكننا تجاهله. عندها نقول إن هذا التأثير ناجم عن مصادفة Chance".


    من ناحية أخرى، وفى زمن لاحق (1972)، جذب إدوارد لورنز Edward Lorenz (باحث متخصص فى الأرصاد من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا MIT) انتباها عالميا كبيرا لبحث له بعنوان "التنبؤية: هل جناح فراشة يرفرف فى البرازيل يمكن أن يتسبب فى عاصفة عنيفة  فى تكساس؟".


    وهكذا، بينما الأمر فى بحث لورنز يتعلق بالمناخ، فقد كان المعنى واضحا، والذى عبر عنه آخرون بعد ذلك بأنه عندما تبدو المنظومة غاية فى التعقيدية وفى اللانظامية (أو اللاتراتبية) فإنها تظهر (أى تبدو) عشوائية، ما لم تكن هناك معرفة عن معلومات غير ظاهرة بشأنها. هذه العشوائية الظاهرة، والتى تنشأ بسبب عوامل غير واضحة، هى ما يطلق عليه Chaos (والتى يسميها البعض شواش).


    هنا تلتقى الChaos  مع المصادفة Chance، بحيث إذا كانت هناك معلومات عنها فهى Chaos، وإلا فهى مصادفة.


    الأكثر أهمية أن ال Chaos  هذه (أو العناصر المنشئة للمصادفة) تتطور مع الوقت لتنشىء منظومات ذاتية تبدو فى غاية التعقيدية Complexity، وتكون نتائجها فى شكل تغييرات لاخطية Non-linear.


   لقد اتضح حديثا أن العالم مليء باللاخطية Non-linearity، بل إنه يكاد لا يسلك سلوكا خطيا. وإذا كانت اللاخطية كمفهوم قد تتلاقى مع بعض المفاهيم والخواص المتوائمة مع الانتقاء الطبيعى، مثل 20/80، أو ما ذكر أعلاه من مفاهيم ل Fisher وGause وآخرين، فإن هذه اللاخطية، مع فهم لخصوصيات الشواش Chaos والتعقيدية Complexity والتفكير المنظومى Systemic Thinking، يمكن أن تكون – عند إدراكها – مصدرا للتقدم فى المجتمعات النامية والأقل نموا، على الأقل من خلال ما كنا قد أطلقنا عليه فى وقت سابق "التقدم الأسى" كمنهج للعبور من التخلف إلى التقدم (التقدم الأُسى: إدارة العبور من التخلف إلى التقدم، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1998).


    المسألة إذن أن متابعة العوامل أو المتغيرات الصغيرة منذ مهدها تكون فى غاية الأهمية، حيث من المحتمل أن تتصف بحساسية عالية قد تنشأ عنها مظاهر "لا خطية" يكون لا غنى عن متابعتها واستيعابها (بالترشيد و/أو الدفع).


    فى نهاية هذا الطرح يمكن التساؤل عما إذا كان من الممكن أن يحدث انحراف بعزم الثقافة العلمية من أجل مصالح  خاصة (أو خفية). إنه أمر يتعرض لمستقبليات عزم الثقافة العلمية ويحتاج الى تناول منفصل إن شاء الله.