رحيل أحد الظرفاء الحكائين

20/03/2016 - 10:54:48

عبد القادر حميدة عبد القادر حميدة

بقلم-د. عمرو دوارة كاتب ومخرج مصري

    عن 86 عاما توفي في 30 يناير 2016 عبد القادر حميدة. كان نموذجا مثاليا للمثقف، ولأصحاب المواهب الإبداعية المتعددة، فهو شاعر وناقد وقاص ومترجم وصحفي، بالإضافة إلى إجادته هوايات أخرى كالرسم وكتابة الخط العربي وأيضا التمثيل والعزف على العود، وقد استطاع بموهبته الكبيرة ودأبه المستمر وخبراته المتوالية أن يثبت وجوده ويضع بصمة مميزة في جميع تلك المجالات.


    ولد عبد القادر حميدة في "شرنوب" بمحافظة البحيرة (2 نوفمبر 1929)، هو من جيل الرواد متعددي المواهب، من آخر الظرفاء الحكائين، واتسم بالخلق الرفيع وخفة الظل ولذا فقد حظي بمحبة كل الذين عملوا معه.


    كتب الشعر مبكرا واتسمت أشعاره بالرقة والرومانسية، وبقدرتها على حمل معاني الإنسانية السامية، كما اشتغل سنوات بالصحافة وبالنقد الأدبي، وأسهم في إثراء المكتبة العربية بمؤلفات جمعت بين القصة والشعر والمسرح والمترجمات والدراسات الأخرى، وتضم قائمة أعماله: "رغم كل شيء" (مجموعة قصصية 1963)، "أحلام الزورق الغريق" (شعر 1967)، "من أجل سعادة الشعب" (مسرحية رومانية مترجمة عن الإنجليزية 1970)، "ليال مسرحية" (في النقد المسرحي 1973)، "القناع والوجه القديم" (شعر 1980)، "ذكريات على الشاطئ" (خواطر ثقافية)، "رجل لا ينظر في ساعته" (مجموعة قصصية)، "الطريق إلى النبع" (رواية)، و"ليالى الغضب" (شعر 1993). وكان آخر ما صدر عنه العام الماضي (2015) كتاب "عبد القادر حميدة دليل على عصر.. وشاهد على جيل" إعداد وتقديم مصطفى القاضي، في إطار "سلسلة الآباء" بالهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر، والتي يرأس تحريرها الناقد ربيع مفتاح.


    وظلت كتاباته تتسم بحيوية الشباب والأمل والتطلع والبحث، فلم تؤثر سنوات عمره في كتاباته ولا حماسه وإن كانت قد زادته خبرة وحنكة، ودقة وجودة مترجماته لا تحتاج إلى الإشادة، وإذا كانت أشعاره وجميع مؤلفاته الأخرى لا يختلف على قيمتها أحد، فإن الجميع يتفقون أيضا على تميزها ببصمته الخاصة، وبمعنى آخر فإن فيها من "روحه" ما يميزها. وممارسته لبعض الهوايات التي أجادها كالرسم وكتابة الخط العربي وأيضا العزف على العود (كان يقتني في بيته أكثر من عود) تؤكد موهبته وتفرده، وجدير بالذكر أنه في شبابه شارك بالتمثيل في ثلاثة أفلام، من أهمها مشاركته مع بعض الوجوه الجديدة (شمس البارودي، رشوان توفيق، حسين الشربيني، وأبو بكر عزت) في الفيلم الوطني "الجزاء" الذي أنتجته مؤسسة السينما عام ١٩٦٥، تأليف وإخراج صديقه الفنان الشامل عبد الرحمن الخميسي.


    ومما لا شك فيه أن هناك عناصر تكاملت فيما بينها لصقل موهبته، ولعل من أهمها المناخ الأدبي الذي نشأ فيه ورعاية والده وتشجيعه له، حيث أوضح كاتبنا ببعض مذكراته فضل والده الشيخ حسن أحمد حميدة عليه، فهو أول من شرح له قواعد النحو والصرف وحببه فيها، عن طريق مفردات آيات القرآن الكريم، حينما كان في العاشرة وعلى وشك الانتهاء من حفظ أجزاء القرآن الثلاثين، تمهيدا للالتحاق بالأزهر الشريف، وهو أول من أهداه كتاب "الأيام" لطه حسين، في نفس الفترة تقريبا بعدما لاحظ تردده اليومي على مكتبته المنزلية العامرة بكتب التراث ودواوين الشعر، وهو أول من شجعه على شراء العود لكي يتعلم عليه العزف، بعدما لفت نظره ولع ابنه الشديد بسماع أغاني محمد عبد الوهاب القديمة من الفونوغراف وجهاز الراديو، وهو الذي أول من دفع له ثمن أول قصة كتبها وهو مازال طالبا، كما أن أخواله كانوا يكتبون الشعر وكان أحدهم فنانا  تشكيليا، كذلك ذكر فضل أستاذه التقدمي الذي كان يكتب بالصحافة وأتاح له فرصة قراءة عيون الأدب الروسي.


    وكان من الطبيعي أن يحظى بشهادات أدبية مهمة كتبها معاصروه سواء من جيل الأساتذة أو الزملاء أو التلامذة المعاصرين، ومن بين تلاميذه المخلصين د. سامح مهران الذي اعترف بفضل أستاذه عليه ومدى استفادته منه فكتب: (عبد القادر حميدة‏ ذو موهبة كبر‏ى وغنى‏‏ وتنوع‏‏ وهدوء‏‏ ورضا،‏ يعدي كل من يدخل في مداراته،‏ إنها تلك العدوى‏‏ التي يسعى إليها المرء‏‏ كي تخترم جنبات روحه‏‏ فيغمرها الضوء،‏ تعرفت إلى الأستاذ لأول مرة بين دفتي كتاب عن المسرح،‏ وإذا بالورق مع مرور الوقت والزمن يستحيل لحما ودما أطالعه يوميا،‏ وأتزود من مائدته ما يشفي نهمي إلى التعلم‏).‏ كذلك كتب الشاعر والناقد المسرحي جرجس شكري: (حياة عبد القادر حميدة غريبة ولا تشبه حياة الكتاب المتعارف عليها، لديه مسيرة خاصة لعبت فيها الأقدار دورا كبيرا... ومن خلال حكايته شاهدت زمنا جميلا وكاتبا له مواقفه المشرفة مهما كلفته هذه المواقف... عرفته رجلا دقيقا منظما حادا في آرائه... ورجلا عظيما في تواضعه).


    ويمكن للناقد المتابع لمجموعة إبداعاته الأدبية والفنية أن يرصدها ويصنفها طبقا لاختلاف مجالات الإبداع كما يلي:


أولا: مساهماته الصحفية:


    عمل حميدة بمهنة الصحافة لسنوات طويلة، وكانت بدايته أثناء دراسته بالمرحلة الثانوية عام 1951 حينما نشر له تقديم عروض لبعض الكتب وترجمات لقصص بمجلة "الرسالة" للأديب أحمد حسن الزيات، ثم بدأ مرحلة الاحتراف عام 1957 بمجلة "التحرير" (التي كانت تصدر عن دار الجمهورية)، كما كتب في مجلات: "الرسالة الجديدة"، "دنيا الفن" و"الاثنين"، ولكن انطلاقته الصحفية تحققت عندما عمل بمجلة "الكواكب" ثم بمجلة "الإذاعة والتليفزيون" عام 1963، وشغل بعد ذلك عددا من المواقع الإشرافية منها سكرتير تحرير مجلة "الإذاعة والتليفزيون" وعمل محررا عاما لمجلة "الدوحة" القطرية، حين تولى رئاسة تحريرها الناقد الراحل رجاء النقاش، كما عمل أيضا مستشارا صحفيا لمجلة "الحرس الوطنى"، وكذلك شغل موقع رئيس تحرير "سلسلة الدراسات" التي تصدر عن "المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية" بوزارة الثقافة، ويحسب برصيده الأدبي مساهماته الإيجابية في تأسيس بعض الدوريات الأدبية العربية، كما يحسب له حرصه على الكتابة في الصحافة بعين الناقد الأديب، ويمكن تجميع كتاباته بلا استثناء في عدة كتب بعد إعادة تصنيفها وتبويبها.


    وجدير بالذكر أنه فاز عام ١٩٧١ بمنحة من اتحاد الصحفيين الدولي بزيورخ (مع الفنانين محيي اللباد وجميل شفيق) لدراسة "التخطيط والإدارة لإصدار صحيفة يومية اشتراكية"، في جمهورية "ألمانيا الديمقراطية" آنذاك.


ثانيا: مساهماته الشاعرية


    أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2006 مختارات من شعره بعنوان: "المختار من أشعار عبد القادر حميدة"، وهي مختارات من ثلاثة دواوين صدرت في أوقات متباعدة: "أحلام الزورق الغريق"، "القناع والوجه القديم" و"ليالى الغضب"، وهذه المختارات تضم خلاصة إبداعه الشعري الذي تناثرت حباته على مدى أكثر من نصف قرن،‏ وتخللت هذه السنوات الطويلة إبداعات بمجالات أدبية أخرى تشكل في مجموعها حجم الموهبة التي واكبت قلم هذا المبدع الأصيل، وتتراكم فيها صور الماضي بالبقية الباقية من أحلام الحاضر والمستقبل.


    يقول حميدة بالمقطع السادس والأخير من قصيدة "الشاعر" (كتبها عام ١٩٥٣):


(وإن أنت يا شاعرى فى الحياة ضللت الطريق بدرب الحياة 


وباتت على الشوك تمشى خطاك، وضلت على الدرب أرضا سواه 


فحدق بروحك نحو السماء... إلى موكب النور زاه رؤاه 


تراه من الله يهدى خطاك، ويلقى على باصريك هداه


وينشر فيك ظلال اليقين.. يقينا لمعنى جميل تراه 


فإنك روح من الله جاءت.. وفيك من الله كل صداه 


وأنت على الأرض كل الحقيقة، أنت على الأرض ظل الإله)


    وقد وصف رجاء النقاش تجربة "حميدة" الشعرية في مقدمته للديوان بقوله: "نص حميدة دليل على جيله وعصره وذاته وتجربته الشخصية، وينتمي هذا النص لمدرسة "محمود حسن إسماعيل"، كما نقف على ذلك الحس الثنائي فيه مع فيض رومانسي، ولكن لا يعني هذا أن نصه كان بمنأى عن واقعه الذي ولد فيه ونشأ وهو واقعه الريفي، فلقد جسد نصه ما تعرض له الفلاح من قهر ومسغبة الجوع".


    ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما المبرر لغياب صوت هذا الشاعر لسنوات طويلة منذ اكتشافه لسحر الكلمة وامتلاكه للصورة الشعرية؟ هل هو انشغاله بمجالات الإبداع الأخرى وأهمها العمل الصحفي؟‏ أعتقد صادقا أن طبيعة الحياة الأدبية ببلادنا لم تتح الفرصة أمام أمثال هذا الشاعر بحساسيتهم المفرطة‏ وحيائهم الجم،‏ وإصرارهم على تجنب مواطن القبح والفساد، ولذا لا يجد هؤلاء المبدعون أمامهم لحماية جوهرهم النقي وصون كرامتهم إلا الترفع والابتعاد، ولذا فقد ظل شاعرنا ينفخ في نايه وهو يردد‏: فأنا جئت إلى هذه الحياة... لأغني مولد النور على سمع الرواة والأغاني‏.


    حقا هو شاعر يتوهج بالإنسانية‏ ويدعو الآخرين إلى أن يرتووا بها ويتمسكوا بها،‏ وأن يشربوا من كفيه رحيق الحياة،‏ وكأنه يقتطع من نفسه ومن قوت يومه لغيره في تواضع جم وإيثار نبيل‏، هكذا وصفه الشاعر فاروق شوشة الذي كتب: "هو أنيق في لغته وصوره، أنيق في سمته وجوهره، أنيق في عواطفه ومشاعره الإنسانية الرحبة، أنيق في خطه الجميل وحروفه المنمنمة، أنيق في جدلية شعره وتفاعل قصيدته مع التيارات الشعرية التي تعاقبت على حياتنا الأدبية، منذ ختام الأربعينيات حتى اليوم وظل الجوهر الرومانسي فيه مضيئا ومعانقا لوعيه الواقعي بالحياة والمجتمع والإنسان".


ثالثا: مساهماته المسرحية


    بخلاف إشرافه على إصدار سلسلة "الدراسات" التي تصدر عن "المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية"، وقيامه بإجراء عدد كبير من التحقيقات الصحفية عن رواد المسرح أو بعض القضايا المسرحية كتب حميدة عشرات المقالات في النقد المسرحي، وقد جمع جزءا منها في كتاب "ليال مسرحية" الذي نشر في سلسلة "كتاب الإذاعة والتليفزيون" (العدد التاسع 1973). ويضم الكتاب مجموعة مقالات مهمة يدور معظمها في فلك الميلاد الأول لفرق التليفزيون المسرحية، حيث تضمن مقالات تتناول اثنين وعشرين عرضا مسرحيا بالنقد والتحليل، أغلبها عروض لفرق التليفزيون وإن كان قد تناول من خلالها أيضا عروض بعض الفرق الأخرى ومنها عروض: "السبنسة"، "سكة السلامة"، "الطعام لكل فم" لفرقة "المسرح القومي"، وعرضا: "بستان الكرز" و"المستخبي" لفرقة "مسرح الجيب"، وعرض "سيدتي الجميلة" لفرقة الفنانين المتحدين"، وأوبريت "شهرزاد" لفرقة الإسكندرية القومية، كما تضمن الكتاب مقالا مهما عن عرض فرقة "المسرح السحري التشيكي".


    وحول فهمه وإيمانه بدور الناقد المسرحي كتب حميدة في مقدمة كتابه: "كنت ومازلت أعتقد أن الناقد شيء فوق الفنان، وإن كان دونه شرارة وجموحا، إلا إذا كان الناقد موهوبا في تخصصه. إنني لست مع القائلين: إن الناقد فنان فاشل، إنه في اعتقادي فنان استعداده أن يكون ناقدا، وهذا - في حد ذاته - يشير إلى عمق الإحساس لدى هذا "الناقد" بخطورة المهمة التي اختارها... فالناقد هو "البصير" بكل مدخرات العالم الفني الذي اختار لقلمه أن يكون هاديا فيه ومبشرا... وهو صاحب "رؤية" يستطيع أن يمدها إلى ما وراء هذا العالم تنقيبا عن آبار جديدة للفن وللفنان".


    ويجب التنويه إلى أهمية تلك المقدمة التي تناول الناقد الدؤوب من خلالها عددا كبيرا من القضايا المسرحية، ولعل من أهمها: الإنتاج المسرحي بين الكم والكيف، ضرورة التخطيط لحياتنا المسرحية، أزمة النص المسرحي، قضية الإعداد المسرحي عن روايات وقصص كبار الأدباء، وأهمية التجول والتجوال بالعروض المسرحية في مختلف الأقاليم لكسب جمهور جديد وكذلك لاكتشاف مواهب جديدة، كما تناول أيضا علاقة النقد بالإبداع حيث كتب: "كان المسرح المصري قد دخل من باب مرحلة مسرحية جديدة، وكان متوقعا لهذا الباب أن يفضي إلى رحلة مسرحية تستكمل روافدها مع التخطيط والوقت والممارسة، لولا أن المقدمات الباهرة انطمست في منتصف الطريق، وأصبحت مهمة الناقد أصعب من أي وقت مضى، إذ عليه أن يضطر إلى ممارسة الصمت وقتا طويلا، هذا إذا وضعنا في الاعتبار خلو الساحة من مخلوقات مسرحية محركة لغريزة النقد والناقد".


علاقات وطيدة متوارثة


    أحمد الله كثيرا على نشأتي الأدبية وسط عائلة اتخذت من الأدب والفنون هواية قبل أن تتخذها حرفة للكسب، لذا فقد اختار الأشقاء الثلاثة: محمد وسعد وفؤاد دوارة الطريق الصعب، وهو تأكيد إيمانهم عمليا، من خلال ممارساتهم الأدبية المتنوعة والثرية، بدور الآداب والفنون في ترقية المجتمعات، وتنمية مشاعر الانتماء القومي ونشر الوعي والارتقاء بالذوق العام، وبالتالي وجدت نفسي مع أولاد عمي (عاطف وعلاء) مدفوعين ومؤمنين بضرورة استكمال هذا النهج، والمحافظة على نتاج جهادهم وإبداعاتهم وإرثهم القيم، وفي مقدمته تلك الصداقات الوطيدة مع نخبة من كبار المفكرين والمبدعين، والتي تضم من  بينها الأديب المبدع عبد القادر حميدة، والذي ربطته صداقة وطيدة ومبكرة مع جميع أفراد عائلة دوارة، منذ أن جمعت بينهم هواياتهم الأدبية والنشأة بمدينة الثغر ثم احتراف الكتابة والعمل بالصحافة بعد ذلك.


    وتتوالى الأيام سريعة ويستقر حميدة بالقاهرة بعد فترة اغتراب طويلة، وبدأبه في المتابعات الأدبية حرص على إبداء إعجابه بمجموعة مقالاتي النقدية الأسبوعية بكل من مجلة "الكواكب" وجريدة "القاهرة"، وليتحول هذا التشجيع والإعجاب إلى حوار أسبوعي لمناقشة كل القضايا المحيطة وجميع التفاصيل الخاصة بموضوع المقال، وحقيقة كم كنت أسعد بتلك الحوارات البناءة التي أفادتني كثيرا وكنت أحرص على استمرارها. رحمه الله فقد كان بحق بالنسبة لي في مكانة الوالد ـ شيخ نقاد المسرح الذي رحل منذ عشرين عاما ـ وغفر الله لهما وأدخلهما فسيح جناته جزاء إخلاصهما للوطن وحرصهما على نشر القيم السامية النبيلة.