"السلفيون والسياسة"محمد حافظ دياب .. كيف قر أ الظاهرة؟

20/03/2016 - 10:43:58

بقلم - د. محمد فتحي فرج كاتب مصري

    قدم عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا المرموق محمد حافظ دياب منجزا ثقافيا وتنويريا يقصر عن تقديمه الكثيرون، ممن يُصدِّعون أدمغتنا عبر الفضائيات التى يجنون من ورائها الكثير دون أن يفيد منهم الوطن أو الجمهور شيئا مذكورا!


    ولد الدكتور محمد حافظ دياب (3 يناير 1938 ـ 28 ديسمبر 2015) فى قرية "منية سمنود"، بمحافظة الدقهلية، ثم انتقل إلى القاهرة ليستكمل تعليمه ويحصل فى نهاية مشواره الأكاديمى التعليمى على درجة الدكتوراه فى الاجتماع من جامعة القاهرة عام 1980، حول "حياة المهاجرين الجزائريين فى مدينة مرسيليا الفرنسية"، وظل لآخر أيامه أستاذا متفرغا فى كلية الآداب بجامعة بنها، بعد أن شغل عدة وظائف ترتبط  بالعمل العلمى الأكاديمى فى عدة جامعات، منها جامعة عنابة فى الجزائر، وجامعة الرياض بالمملكة العربية السعودية، وجامعة ناصر فى ليبيا، كما اضطلع خلال هذه المهام العلمية برسالته الجامعية والبحثية من خلال إشرافه على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه فى مجالات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والفولكلور.


    أما عن دوره المعرفى والثقافى والأكاديمى البارز فيتمثل فى دراساته الموضوعية الهادئة فى علم اجتماع الأديان والإسلام السياسى؛ مما أهل هذه الدراسات لأن تكون المراجع المهمة فى المقررات الدراسية والأبحاث التى تعنى بهذه الحقول المعرفية فى العديد من الجامعات ومنها بعض الجامعات العربية كجامعات الجزائر، وتونس، والمغرب، والجامعات الأجنبية كجامعة بنسلفانيا، وغيرها.


    وهو كمفكر أكاديمى موسوعي استطاع أن يكشف النقاب عن الفكر الراديكالى لاسيما ما يطلق عليه "الفكر الإسلامى السياسى" بأطيافه المختلفة سواء ما خرج من عباءة الإخوان المسلمين والمنظرين لهم أو الفكر السلفى بأنواعه وجغرافيته المختلفة، بمصر والسعودية والمغرب العربى. قدم أهم كتبه على الإطلاق، وأكثرها رواجا، وهو كتاب "سيد قطب: الخطاب والأيديولوجيا"؛ إذ طُبِعَ عدة طبعات متواليات بدءا من سنة 1986، وقد صدرت منه طبعة جديدة في بداية عام 2016 لأهميته كنموذج للتحليل السوسيو ـ معرفى للخطاب الإسلامى. وقد كشف ـ من خلال هذا الكتاب ـ عن طبيعة هذا الفكر المغلقة والمنكفئة على ذاتها، والمتمردة على ما سوى هذا الفكر، سواء جاءنا من الشرق، أو قَدِمَ إلينا من الغرب، أو استقى مادته حتى من التراث الذى نعتز ونشيد به.


    وقد أسهم الرجل بالكثير ـ معرفيا وثقافيا ـ بما قدمه من فكر واجتهاد فى هذه المجالات التى اهتم بها، وكرس لها من جهده وحياته، وقامت بدورها ـ ولا تزال ـ أقول أسهم دياب فى تعريف القارئ العربى بما ينطوى عليه خطاب "الإسلام السياسى" من عجائب ومتناقضات، وشمولية ودوجماطيقية عميقتين، تلك التى يزعم معتنقوها امتلاك الحقيقة المطلقة، ورفض أىّ نقد يمكن أن يوجه لفكرهم وتوجهاتهم.


    وقد تنوعت مؤلفاته فى الحقول المعرفية لعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الشعبية (الفولكلور)، ومنها: "مقدمة فى علم الاجتماع" (1980)، إبداعية الأداء فى السيرة الشعبية (1996)، الإسلاميون المستقلون: الهوية والسؤال (2001)، الثقافة: مقاربة مفاهيمية (2003)، الخطاب الأهلى: مساءلة نقدية (2006)، سَبْى الرافدين (2007)، الخلدونية والتلقى (2009)، تعريب العولمة (2009)، ذاكرة الإسلام والغرب (2012)، انتفاضات أم ثورات فى تاريخ مصر الحديث (2012)، إعادة قراءة للتاريخ المصرى ـ السلفيون والسياسة (2015)، وغيرها.


السلفيون والسياسة


    وعن هذا الكتاب الأخير أستطرد قليلا فى كشف بعض ملامحه وخطوطه العريضة الأساسية. وقد ظهر الكتاب قبيل رحيله، فى نهاية عام 2015، في "مكتبة الأسرة" عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب" فى 247 صفحة من القطع المتوسط.


    ويضم الكتاب عدة فصول فى بابين بخلاف التقديم، جاء الباب الأول بعنوان: "مقدمات نظرية"؛ عبر ثلاثة فصول، أولها بعنوان "مقاربات مفاهيمية"، باعتبار أن ضبط المفاهيم من شأنه إزالة الغموض عن مقصد المساهمة فى مقاربة السلفيين بالسياسة، وتوطئة للخوض فى النماذج التاريخية التى وقع عليها الاختيار لسبر هذه العلاقة. وفى هذا الفصل يجيبنا الكاتب عن السؤال: ما هى السلفية؟ فيقول: تنصرف لفظة السلف إلى معنى التقدم، والسلف والسليف والسلفية هم الجماعة المتقدمون وهو ما عبر عنه القرآن بقوله: "فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين". النساء: 22. ثم يراجع المؤلف أقوالا كثيرة، منها ـ على سبيل المثال ـ ما جاء على لسان ابن منظور والغزالى وابن الأنبارى ومحمد عبده وغيرهم، ثم يعقب بقوله: "وهذا المصطلح قد ادعاه واشتهر به وكان يحتكره أولئك الذين غلبوا النص، وفى أحيان كثيرة ظاهر النص، على الرأى والقياس وغيرهما من سبل وآليات النظر العقلى، فوقفوا عند الرواية أكثر من وقوفهم عند الدراية، وحرَّموا ـ فى الغالب ـ الاشتغال بعلم الكلام فضلا عن الفلسفات الوافدة... وكلها توجهات قامت على تخطيف ملامح المعتقد الإسلامى، وتشبيح كيانه، وسجنه إلى درجة صيَّرته أشبه بتلك "الكتلة المعتقدية الناجزة" التى تحدث عنها جابراييل لوبرا، والموجودة فى "وحيدة فى الخلود" كما قال موريس هاليفاكس.


    ثم يعقد مقارنة "بين السلفية والأصولية"، يتبعها بتوضيح بعض "المواقف المتباينة" فى ختام هذا الفصل؛ ليؤكد أن الأصولية موجودة فى كل الديانات بما فيها الوضعية كالبوذية والزرادشتية والسيخ والهندوس، وغيرها. كما يوضح أن الأصولية تجمع فى خصائصها بين الشمولية والنصوصية والانحياز المطلق.


    أما الفصل الثانى بعنوان: "بنية الخطاب السلفى"، فيتكلم فيه عن: تشكيلته الخطابية من حيث ما يتعلق بالمرجعية الناظمة للسلفية، سواء منها ما يتصل بالتفسيرات المقدمة لنص الوحى أو بتأثير الظروف السياسية؛ لينوِّه بمقولة الأصل التى تلازم نظريا كل نظام أسطورى أو عقيدى أو فكرى، باعتبار أن الأصل هو الاستهلال الكامل المتجانس الذى يمنع عنه كماله التبدل والفساد.. فتتحول إلى إطار مرجعى تنبنى عليه كل حركة فى الحاضر أو كل حركة إلى الأمام فى الزمن، وعلى نحوٍ يتحول معه الزمن إلى ما يشبه الحركة الدائرية التى تعود دوما إلى مبتدئها. وفى الفكر الدينى يشير هذا التصور إلى شكل من أشكال الوعى المؤسس على العودة إلى الأساسيات، والتمسك بحرفية النصوص المقدسة، بزعم تنقية الدين من الشوائب التى علقت به، وذلك فى مسعى لتأكيد أن الدين يمتلك الحقيقة المطلقة التى يجب فرضها على الجميع.. وهو ما عبر عنه المفكر المغربى محمد عابد الجابرى، حين عاين السلفية باعتبارها "عقل الماضى".


    ثم يتحدث فى هذا الفصل أيضا عن ملمح السلفية "الأيديولوجى"، باعتباره منطقا لصوغ رؤية للعالم، يُمَكِّنُها من إعادة إنتاج أنماط المعرفة، وأساليب الممارسة، وأنواع النشاط بشكل يسعف فى عملية التعبئة، بما يتقاطع ضمنا مع أشكال كثيرة لصيغ التعبير وإرادة التغيير، وما يعنيه ذلك من دخول فى إسار الأيديولوجيا بكل ما تحمل من يقين جازم، ومطلقات جامدة، وما تؤول إليه من إفقار الإسلام ذاته.


    وأخيرا يتحدث عن "الجماعة"، فيقول: رغم أن كثيرا من أتباع المذاهب المختلفة يميلون لتصنيف أنفسهم كمسلمين، ويبحثون عن الجوامع لا الفوارق وينتمون لفئات فكرية غير مذهبية يجدون فيها مكانا للتفكير بشكل أوسع وأشمل من حدود المذهب؛ إلا أن هناك من يصر على أن هذه التسمية ضرورية لتمييز هذه الطائفة المهتدية عن سائر طوائف الضلال الذين تركوا منهج الصحابة فى فهم الدين، واتبعوا طريق الخوارج المُغالين المتشددين، أو المؤولين المتنطعين، أو المقلدين الجامدين.


   وتتكون الجماعة السلفية من دعاة محترفين وغير محترفين يلعبون الدور الأساسى فى الحفاظ على التقاليد السلفية واستمرارها، وتابعين يتحلقون حول هؤلاء الدعاة، وهم الجمهور المستقبل لهذه التقاليد.


    ويُعدِّد محمد عابد الجابرى ثلاث فصائل من السلفية: "سلفيون رافضون" لكل نظم العصر ومؤسساته وفكره وثقافته باعتباره عصر الجاهلية، ومن ثم الدعوة إلى العودة إلى النهج الأصيل الذى يتمثل فى السلف الصالح. والثانى: "سلفيون معتدلون"، ممن يقبلون من حضارة العصر ومؤسساته ما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، أو ما يمكن تبريره داخلها، وفى الوقت ذاته يوسِّعون من دائرة السلف الصالح لتشمل كل العصور الإسلامية المزدهرة. وأخيرا "سلفيون مُؤولون" ممن يدعون إلى البحث فى نظم الحضارة العربية الإسلامية وقيمها عن أشباه ونظائر لمؤسسات الحضارة المعاصرة وقيمها.


    أما الفصل الثالث بعنوان: "إشكالية التاريخ" فيتحدث المؤلف فيه عن "المسارات والانعطافات" على مدى الزمن، ثم يتحدث فيه أيضا عن "الحقب والمراحل" المختلفة التى مرت بها الجماعة السلفية.


    أما الباب الثانى فعنوانه "السلفية والسياسة"، ويضم فصول: هى: "الحركة الوهابية"، "الحالة المغربية"، "المشروع المصرى"، وأخيرا "السلفية الجهادية".


    وأختم هذا العرض بالفصل الذى تحدث فيه عن"المشروع المصرى" الذى تكلم فيه عن "الموقف من ثورة يناير" ثم عن "ائتلافات"، وأخيرا عن "الأحزاب السلفية". وعن هذه الأخيرة يقول الدكتور دياب: قام داعية سلفى بإنشاء أحزاب ثلاثة هى: "حزب النور"، و"حزب الفضيلة"، و"حزب الأصالة"، إضافة إلى أحزاب أخرى تنتمى إلى الجماعات السلفية الجهادية مثل حزب "البناء والتنمية" التابع للجماعة الإسلامية، و"حزب السلامة والبناء" التابع لجماعة الجهاد الإسلامى، وهو ما أدى إلى اتساع الطيف السلفى، وامتلاكه قدرا من التنوع داخله، وإن بدت الدعوة السلفية هى القوة المؤثرة، و"حزب النور" هو المعبِّر عنها سياسيا.


   ولكن الممارسة الديمقراطية ـ بعد الانتخبات البرلمانية ـ أثبتت على أرض الواقع عدم وجود هذا الحزب أو فاعليته السياسية، فضلا عما يرعاه من أحزاب أخرى ويضمها تحت عباءته من مسميات أخرى لا يدرى عنها الشارع المصرى الحقيقى شيئا!!