الناس اتغيرت(٢)

17/03/2016 - 10:46:02

 إيمان الحفناوي إيمان الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

لا تضع من حولك في إطار لا يناسبهم لمجرد أنه يرضيك، لا تتصور أنك تتعامل مع ملائكة، أنت أيضا يمكنك الابتعاد عن الشياطين, فلا تحاسب إنسانا على أنه لم يكن ملاكا كما تصورت أنت، فهذاعيبك، لأنك لم تره كما هو، بل كما تريد أن تراه.
****
قد يكون تعبير الناس اتغيرت يفسر أنك أنت الذي وضعتهم من البداية في إطار ليس لهم، اعتبرتهم ملائكة ونسيت أن الملائكة لا تعيش على الأرض، وعندما بدأت رحلة التوتر وطالت، لم يعودوا يستطيعون تلبية ما تطالبهم به، فاتهمتهم بأنهم تغيروا، لم يتغيروا لكن الظروف التعسة جعلتهم يخلعون المعاطف المخملية فلم تعد تناسب خشونة العيش، أنت من وضعتهم في إطار لا يناسبهم، وهم ساهموا بأن استخدموا القفازات الحريرية حتى لا يجرحون يدك وهم يصافحونك، هذا ما  رأيته، حدث بين زوجين، كانا متآلفين جدا، كان يعمل بشركة كبرى في مجال تجارة السيارات، وتفرغت هي لتربية الأولاد، بعد يناير بقليل بدأت مشكلات في عمله، فترة أخرى وبدأت المشكلات تتفاقم، في نهاية 2012 كان قد فصل من عمله مثل كثيرين، تصورا في البداية أن الأمر مؤقت، بدأت المدخرات تنفد، والمطالب تزداد، لا أمل في وظيفة، تعب من كثرة البحث، خرجت لتعطي دروسا في اللغة الفرنسية التي تجيدها، بدأت بأبناء الشارع، ثم الحي، ثم توسعت أكثر، وحتى تفي بمطالب البيت أنشأت صفحة لها على موقع التواصل فيسبوك، وأعلنت فيه عن استعدادها للقيام بصناعة كعكة الميلاد لمن يرغب، كانت ماهرة في هذا الأمر، بعد عام واحد لم يعد لديها وقت لأي شيء، في الصباح تصنع كعكاتها التي لاقت قبولا واسعا، فترة الظهر تبدأ مرحلة الدروس، في المساء تعد للديكورات التي تصنعها لكثيرين صاروا يقصدونها، فمن خلال صناعة الحلوى الخاصة بعيد الميلاد بدأت تدخل في صناعة الديكورات الخاصة بهذه الحفلات، كل همها أن تحصل أكبر قدر من المال، فابنها الأكبر يحتاج دروسا في الثانوية العامة، وابنتها ستحتاج هي الأخرى بعد عام، كانت لا تهدأ، لكن مع هذا الانشغال بدأ زوجها يشعر بالعجز، فهو قد أنفق ما ادخره، البيت مفتوح بمالها، صارت كرامته تؤلمه عندما يريد أن يجلس مع الأصدقاء يروح عن نفسه، يطلب منها مالا؟ سافر إلى الغردقة ليعمل عند ابن عمه في وظيفة صغيرة جدا ومتواضعة جدا جدا، أكرم له من أن يمد يده، لكن الفجوة اتسعت، لم يعد يرى أسرته، حاولت زوجته في البداية أن تقنعه بأن الحال سيتغير، لكن أمام إصراره وانشغالها تركته يفعل ما يريد، تجارتها تكبر, وإرهاقها يكبر، وانشغالها يزداد، صارت كقطار فقد كوابحه، تريد أن تحقق الأمان، وهو هناك يصغر ويشعر أن الدنيا تكبر كلما صغر وسوف تلتهمه، هو مصر أنها تغيرت لم تعد الملاك الحارس، لم تعد الصدرا لحنون، لقد فعل كل شيء من أجلها، كان يصل الليل بالنهار ليوفر لها ولأولادهما أكثر مما يتمنون، جعلها ملكة، لكنها لم تكن على مستوى العطاء، هكذا يقول، ذات مرة ترك طبقا بدون أن يغسله فكانت المشكلة "اتقوا الله في ، أنا مرهقة طوال اليوم، إنني أدفع صحتي حتى تستمر الأسرة، لا أقل من غسل أطباقكم" هذه الكلمة كانت بداية جرحه، اعتبرها تعيره بوضعه، فقبل الأزمة كانت تفعل كل شيء من أجلهم ولم تكن تطلب أية مساعدة، بل عندما كان يحاول مساعدتها كانت تقول إن سعادتها في خدمة أسرتها، لقد تغيرت، فهو يشعر أنه عندما ذهب ماله لم يعد يمثل لها أية قيمة.
ماذا عنها هي؟ هي تؤكد أنه تغير، يراها في هذا الكم المرهق من الإجهاد لا يحاول مساعدتها بل لا تسلم من انتقاداته، أنتِ لم تعودي تهتمين بالبيت، أولادك صاروا في ذيل قائمة اهتماماتك، لا وقت لديك لنا، أخذتك سحابة النجاح والربح فلم تحددي لك سقفا، وأحلام بلا سقف هي الضياع، هي تعتبر هذا الكلام محبطا، تقول إنه كان أروع رجل في الدنيا، وأنه منذ تم فصله من عمله بدأ يتغير وصار عصبيا بدرجة لم تألفها، وتؤكد أنه ظهر على حقيقته التي لم تكن تعرفها، فقد ضحت من أجله، تركت الماجستير الذي كانت تعده، حجمت علاقاتها الاجتماعية تماما مع أهلها وإخوتها لأنه لا يحب الاختلاط، لقد كان مثالا في الرقة والعذوبة فتحول لإنسان تصعب معاشرته رغم كل محاولاتها أن تمتص آلامه، كان علي أن أخرج للعمل، هذا العمل الذي رفضته في بداية حياتنا نزولا على رغبته، هل هذا ذنب يحاسبني عليه؟
هذه هي صورة من الصور، هو من البداية اعتبرها ملاكا فهي لا تشكو، لا تتأفف، تفعل من أجل أسرتها كل شيء في صمت، رضيت ألا تعمل إرضاء له وليس اقتناعا منها وهذا ما توضحه فرحتها بالنجاح ومحاولة عدم التوقف، فرغم أن نزولها للعمل كان من أجل أسرتها, إلا أن حلاوة النجاح والخوف من المستقبل جعلاها تتمادى ولا تضع لقطار نجاحها محطات تتوقف فيها لترتاح قليلا، لو كان من البداية تركها لاختيارها كانت حققت نجاحا وتحقيقا للذات بشكل متوازن أكثر، وكان تحققت مع هذا أمانا اقتصاديا، هي ليست ملاكا ولن تكون، هي إنسان صدمته الأحداث وأصابه الرعب وبحث عن مخرج، هو أيضا ليس ملاكا، هو بشر شعر بالغبن والظلم عندما ترك عمله، شعر بالقلق وهو ينفق من مدخراته، وأخيرا صار ريشة في مهب الريح، لا مال ولا وظيفة، وزوجته هي التي تعمل وتنفق، طبيعي أن يصبح عصبيا، وطبيعي جدا أن يعبر عن مخاوفه، المشكلة أن كلا منهما من البداية وضع الآخر في إطار ليس له، وأكمل بخياله اللوحة لتصبح مناسبة للإطار، المشكلة في هذه الحالة أنك تطالب من وضعته في هذا الإطار بأن يكيف نفسه ليصبح مناسبا للإطار، قد يفعلها من أجلك في الظروف العادية وهذا خطأ يقع فيه كثيرون، لكن عندما تكشر الدنيا على أنيابها سيلقي الإطار ويركض خارجه ويرفض أن يكون إلا نفسه، لو كل منهما من البداية عرف حجمه وحجم شريكه جيدا بدون تهوين أو مبالغة لأراح واستراح، ولو كل منا فهم قدراته وقدرات من يعيش معه فلم يطالبه بما ليس فيه لكانت حياتنا أكثر صدقا واتزانا، ولو كل منا أدرك أن وقت الأزمات سنصبح حروفا بلا علامات ترقيم ولا همزات ولا علامات تشكيل، لأن الأزمة لا تؤمن بالإكسسوارت، وعندما تزداد ستسقط النقاط أيضا، سنصبح حروفا بلا نقاط، فلو استطعنا من البداية أن نفهم بشكل أعمق لن يوقفنا نزيف العلامات ولا النقاط عن فهم أنفسنا وفهم الآخر وسنعبر بسلام، لو هي فهمت نفسها من البداية وعرفت احتياجاتها ووقفت بجوار نفسها لكانت الآن أفضل حالا، لكن أن ترضى بشيء غير مقتنعة به، فهي تكبت رغبة ستطلب رأسها يوما ما وتحاربها، ولو هو من البداية فهمها وفهم نفسه لوفر على الأسرة كلها ألم الفراق، والأهم لو كل منهما تدارك الموقف وأصبحا يدا واحدة في مواجهة العاصفة لتغير الوضع تماما، فعندما نخاف الحاجة والعوز غير مطلوب منا أن نسعى لنصبح أثرياء يكفينا أن نقي أنفسنا وأفراد أسرنا السؤال، كان من المفروض أن توزع وقتها، كان عليها أن تشركه معها، فهو لا يعمل، لماذا لا يعمل معها؟ شيء يشتركان فيه معا سيحقق فوائد نفسية ومادية، لم تعرض هي عليه ولم يطلب هو منها، هل يكون إحساس خفي منها حيث أرادت أن تستأثر بالنجاح؟ هل هو خوف أن يفهمها بشكل خاطئ فتجرح مشاعره؟ ولماذا لم يعرض هو؟ هل لأنه يرى أن كرامته لا تسمح بالاشتراك في أعمال يصنفها على أنها تخص المرأة وحدها؟ هل هذه هي نظرته الضيقة للحياة؟ أم أنه أصابه الخوف من الفشل؟ أم تراه شعر أنه في مجال كهذا ستصبح هي صاحبة الكلمة ويصبح هو التابع؟
أتدرون عندما عملا بالنصيحة وتخلى كل منهما عن أفكاره المعلبة ماذا حدث لهما؟ الآن يعملان معا وقد استأجر ............ جارهما محلا بالمناسبة هو في مصر الجديدة، ويقفان سويا يحققان النجاح معا، أنت إنسان، وأنا إنسان، وكل منا يحمل نقاط ضعفه ونقاط قوته، كل ما علينا أن نبذل الجهد في فهم أنفسنا وفهم الآخرين بدلا من نففق جهدا أكبر في انتقاد من حولنا ورميهم بأنهم تغيروا، وتضخيم مميزات ليست فينا لنقنع أنفسنا أننا أصبحنا ضحية للآخرين.