ملف خطير فى مؤتمر علمى الإعلام عندما يكون صانعا للإرهاب

16/03/2016 - 12:59:23

تحليل اخبارى يكتبه - أحمد أيوب

هل يمكن أن يكون الإعلام مساهما فى انتشار الإرهاب واستفحال خطره؟


هل يمكن أن يكون الإعلامي أداة لترويج الأفكار المتطرفة دون أن يشعر؟


هذا ما أجاب عنه مؤتمر «الإعلام العربى» فى مواجهة الإرهاب»، لكنها هذه المرة كانت إجابة صريحة، قد تكون صادمة لكنها الحقيقة، أن الإعلام العربى بقصد أو دون قصد أصبح سببا فى ازدياد خطر الإرهاب، وبدلا من أن يكون جزءا من المواجهة تحول إلى نافذة جديدة يطل منها الإرهاب ليمرر أفكاره ويجند عناصره.


القضية لم تكن تحاملا على الإعلام من المشاركين فى المؤتمر بقدر ما كانت توصيف حالة لم تعد تخطئها عين ولا من الممكن التغاضى عنها، بل إن المصلحة تقتضى المكاشفة وفتح هذا الملف الذى طال الصمت عنه، ربما أحيانا للخشية من دخول مواجهة مع الإعلام، وأحيانا أخرى لعدم فهم وظيفة الإعلام نفسه.


ما يدركه الجميع وفى مقدمتهم رجال الأمن أنفسهم أن الإعلام ليس مطلوبا منه بالطبع أن يحمل السلاح ليحارب الإرهاب، ويطارد فلوله فى جحورهم، لكن فى المقابل لابد أن يكون الإعلام يمتلك القدرة على مواجهة الفكر ونشر الدين الوسطى، وهنا مكمن الخطر الذى توقف عنده أكثر المشاركين فى المؤتمر، وهو أن نسبة ليست قليلة من الإعلاميين ووسائل الإعلام المقرؤ او المرئ ليسوا مؤهلين لهذه المهمة، وغير قادرين على خوض المعركة الفكرية والتى للأسف يكسبها فى أغلب المرات أصحاب الفكر المتطرف ودعاة الإرهاب، لأنهم أكثر استعدادا لها وتدريبا عليها وإيمانا بها وإخلاصا لفكرهم الهدام، بينما البعض من المنتسبين بالخطأ للإعلام يتعاملون بجهل وقلة وعى فى معركة لا يصلح معها إلا القدرة على الإقناع وكسب مصداقية لدى الشارع.


رجل الأعمال محمد فريد خميس رئيس مجلس امناء اكاديمية الشروق لخص القضية فى أن الإرهاب له ساقان يسير عليهما، الفقر وتسأل عنه الظروف الاقتصادية فى البلد، والمعرفة الخاطئة وهى ما يسأل عنها الإعلام الآن، فالمعلومة إن نقلت خطأ أو بجهل أو فى غير وقتها أو غير موضعها تنقلب إلى كارثة قد تسهم فى خلق الإرهاب، وهنا تكون مسئولية الإعلام الوطنى فى هذه الفترة العصيبة أن ينقل المعلومة الحقيقية، وأن يتصدى لكل ما يتسبب فى إثارة الرأى العام بالحقائق ويفند الشائعات، ولأن المواجهة والمسئولية الوطنية تتطلب وسائل إعلام لا تبحث عن الإثارة ولا تجرى وراء الكسب المالى فقد كان خميس واضحا فى رفضه التام لما يروج الآن عن بيع الإعلام الوطنى المملوك للدولة سواء التليفزيون أو المؤسسات الصحفية القومية، فهذه الكيانات كما يراها هى التى تحقق التوازن من أجل الأمن القومى المصرى، ومن يريد شراءها هدفه ليس فقط إهدار التاريخ المصرى وإنما حرمان الدولة من مؤسسات تتحمل مهمة المواجهة الحقيقية ضد التطرف والإرهاب.


يؤكد كل ما قاله خميس أكثر من ٣٥ بحثا ناقشه المؤتمر الذي ناقش دور الإعلام في مواجهة الإرهاب عدد كبير منها ربط بين قلة الوعي الاجتماعي وبين تفشي ظاهرة الإرهاب.


وهنا يأتي دور الإعلام في تحقيق هذا الوعي الذي اعتبره كل الخبراء السلاح الأساسي في مواجهة الإرهاب وتحديدا فى هذه الفترة التى لم تعد حروب إسقاط الدول فيها تعتمد على الطيران والصواريخ، والدبابات وإنما على الحروب الإعلامية، لكن للأسف النسبة الغالبة من وسائل الإعلام المصرية أثبتت التجربة والدراسات أيضا أنها لم تؤد دورها في تحقيق الوعي بالشكل المطلوب وأنها ليست على قدر الحرب التى تخوضها ، بل علي العكس كانت وما زالت فى حالات كثيرة داعمة لحروب إسقاط الدولة وترويج الإرهاب والفكر المتطرف، وحسب رأي عينات مختلفة من المشاهدين كانت وسائل الإعلام بأدائها الضعيف وغير الواعى لخطورة القضية سببا في إحداث حالة من الاضطراب داخل المجتمع استغلتها التنظيمات والجماعات الإرهابية لصالحها، وهذا ليس كلام باحثين وأكاديميين وإنما رأى قطاع عريض من الشارع أصبح على قناعة أن الإعلام يسير فى الطريق الخاطئ، وتدفع الدولة بكاملها ثمنا باهظا لهذا الإنحراف، وأكبر دليل ما أكدته إحدي الدراسات من أن نسبة كبيرة من المشاهدين أكدوا عدم اقتناعهم بان الإعلام يلعب دورا إيجابيا في مواجهة الإرهاب وأكثر من ٦٥ بالمائة منهم كان رأيهم أن كارثة الإعلام حالياً أنه يقدم الإثارة علي حساب الدقة والمعلومة وهو ما أفقد الرسالة الإعلامية قيمتها وأضعف دور الإعلام كسلاح مهم وحاسم في مواجهة الإرهاب بل وأثر علي مصداقية بعض وسائل الإعلام واتجاه النسبة الغالبة من المواطنين وخاصة الشباب إلى وسائل التواصل الاجتماعي كبديل, فبينما كانت نسبة من يعتمدون على استخدام مواقع التواصل الاجتماعى فى ٢٠١١ لا تزيد عن ٢٤في المائة من عينات البحث في إحدي الدراسات ارتفعت هذه النسبة الآن لتصل إلي أكثر من ٥٤ بالمائة والخطير في هذا الرقم أن ٩٠ بالمائة من هؤلاء يتابعون المواقع التي تدعوا للتظاهر الاجتماعى والعنف بل إن ٤٠ في المائة منهم أصلا لديهم ميل عال إلى العنف السياسي، والسبب فى استسلام كل هؤلاء لمواقع التواصل والتعامل معها كمصدر للأخبار والمعلومات هو فقدانهم الثقة فى وسائل الإعلام التقليدية, صحافة, تليفزيون


تكتمل هذه الصورة الخطيرة عنما نعلم أن ١٠٠٪ من عينات البحث كشفت أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة مهمة تستغلها الجماعات الإرهابية في تحقيق التواصل مع أعضائها أو تجنيد أعضاء جدد


وتزيد الصورة خطرا عنما نتأكد أنه يوميا يرفع علي اليوتيوب ما بين ١٥٠ ألفا إلي ٢٠٠ألف فيديو تلعب دورا في التأثير علي المزاج العام للمشاهدين ولا تفوت تلك الجماعات الإرهابية الفرصة وتلجأ إلي اليوتيوب لنشر ما تريد من فيديوهات لتحقيق واحد من ثلاثة أهداف ، إما تحقيق الرعب في نفوس المشاهدين أو خلق صورة ذهنية لديهم عن قدراتها وتنظيمها أو جذب مزيد من العناصر الإرهابية، والغريب أن بعض وسائل الإعلام تقع في الفخ وتساهم بغباء أحيانا في زيادة انتشار هذه الفيديوهات عن طريق عرضها بدعوي التعليق عليها أو انتقادها والحقيقة أنها تساهم في ترويجها مثلما تتناول التويتات التي يبثها بشكل يومي تنظيم داعش باعتبارها أخبارا فتروجها دون أن تدرى، ولأن هذا التنظيم الإرهابى يلعب على الانتشار فلم يتردد فى اغتنام تلك الفرصة المجانية فى الترويج له فيصدر أكثر من ٢٠ ألف تويتة يوميا كما قال السفير صلاح عبد الصادق رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ويعلم أنها ستنتشر بفضل الإعلام غير الواعى


وبشكل أكثر دقة وحتى تكون الصورة واضحة فى هذا الفشل الإعلامى فقد كشفت دراسة تناولت تغطية وسائل الإعلام لحادث اغتيال النائب العام هشام بركات عن سلبيات خطيرة تؤثر في وسائل الإعلام في مواجهة الإرهاب فمن بين ٤٤مقالاً و١٩ ساعة تليفزيونية ثم رصدها ودراستها وجد أن أكثر من ٤٢ بالمائة من التغطية للحادث كانت سطحية بينما ركزت ٣٢ ٪ من التغطيات علي القفز إلي الاستنتاج علي حساب المعلومات وفي الإجمال كانت سمة ٧٩٪ من التغطية التي شملت ٤٤ مقالا و ١٩ شاشة تليفزيونية أقرب لتقييمات شخصية وحكي وسرد لمذيعين دون معلومة أو حتى إدراك لخطورة ما يقولونه وتأثيراته السلبية على المشاهدين وخلق حالة من الفزع لديهم من قوة هذه التنظيمات الإرهابية وقدرتها على الوصول إلى أهدافها وقدراتها التسليحية، وكل هذه السلبيات أضاعت الفرصة لاستغلال الحادث الإرهابي البشع في خلق حالة من الكراهية الشعبية للإرهاب وتوعيتهم بحقيقة الفكر المتطرف الذى يخلق الإرهاب.


ولأن الإعلام ليس فقط برامج حوارية ونشرات ومقالات وإنما أيضا دراما وسينما فقد تركز جزء من الدراسات على هذ الوسائل ودورها فى خلق المناخ الذى تستغله الجماعات الإرهابية لتحقيق أهدافها.


فقد خلصت إحدي الدراسات إلى أن ٥٣٪ من العينة يرون أن المسلسلات العربية التى تذاع على القنوات المختلفة لا تحافظ علي الهوية الدينية للمجتمع المصري، بل تخرج عنها وترسخ لمفاهيم وقيم لا علاقة لها بتعاليم الدين السمحة، فنجد فى الدراما أخلاقيات البلطجة والانتقامية والعنف.


حتى الأعمال الدرامية التى تتناول فكرة التسامح الدينى لا تقدمها بالشكل اللائق الذي يدعم التعايش المجتمعي ويقلل من الفتنة وإنما تغلب عليها السطحية التى تضر أكثر مما تفيد.


وبنفس القدر من السلبية كشفت دراسة مهمة أجريت علي ١٥ فيلما سينمائيا في الفترة من ٢٠٠٠ الي ٢٠١٥ أن السينما المصرية لم تفهم هى الأخرى أبعاد ظاهرة الإرهاب وخلفياتها وكانت النتيجة أنها وإن كانت فى الظاهر أفلاما تواجه الإرهاب لكنها فى الحقيقة روجت للفكر الإرهابى


لأنها كما أكدت الدراسة تناولت الإرهاب بشكل سطحي وصورته إما أنه إرهاب ساذج أو أنه نتيجة عادية لتفشى الفقر أو أن وراءه جماعات تسعي لتحقيق مصالح، لكنها لم تتعمق في كيفية المواجهة والتوعية بخطورته


ولم تنجح في المواجهة الفكرية لما يروجه الإرهابيون كما لم تهتم بعرض نماذج للإسلام المعتدل.


كل هذا كما قالت الدكتورة هويدا مصطفي أستاذ الإعلام وعميد المعهد الدولى العالى للإعلام بالشروق ورئيسة المؤتمر يكشف أن الإعلام المصري لم يعد يلتزم بالمهنية، ولم يعد يعتمد علي المعلومات وإنما تغلب عليه الرؤى الخاصة والانفعالات والانطباعات الخاصة الشخصية ولا توجد ضوابط أو مواثيق تحكم عمله مما تفقده المصداقية في الشارع


وهذا هو ما فرض وضع مجموعة من الضوابط المهنية والأخلاقية التى يجب وفق خبراء المهنة وأساتذتها أن تحكم الممارسة الإعلامية وتنقذ الإعلام المصرى من الغرق.


أول هذه الضوابط ما دعا إليه الدكتور رامى عطا أستاذ الإعلام بوضع استراتيجية إعلامية لمكافحة الإرهاب والتطرف تضمن أهدافا واضحة وتقوم على التنسيق بين الوسائل الإعلامية والمؤسسات المعنية بمكافحة الإرهاب ورغم أن البعض يرى عدم جدوى الاستراتيجية فى المدى القصير نظراً لطبيعة الخطر الذى لا يحتمل الانتظار, لكنها مع ذلك تظل مطلباً لهما لتنظيم الإعلام على المدى البعيد الثانية أن الإعلام لا يجب أن يسبح وحده فى مواجهة خطر الإرهاب وإنما لابد من مساندة قوية له من منابر المساجد والمؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية


بهدف تقديم توعية مجتمعية ومواجهة الفكر وعزل التيارات المتشددة عن جسم المجتمع وعدم توفير حاضنة اجتماعية داعمة للإرهاب.


كما شدد الجميع على تطوير التشريعات الإعلامية المنظمة لعمل القنوات الفضائية والعمل علي وقف الفضائيات الداعمة للإرهاب أو الجماعات المتشددة بشتي السبل القانونية والمجتمعية ودعم تشجيع الوقوف ماديا ومهنيا إلي جانب القنوات الفضائية المصرية بل والعربية التي تحارب الإرهاب وتسعي لتوحيد الشعوب العربية.


الرابعة العمل علي تنظيم حملات توعية تهدف إلي ترويج ونشر ثقافة الحوار عن طريق جميع أنواع وسائل الإعلام بالتعاون مع الأنظمة الوطنية للتربية والتعليم والتدريب


واهتمام المؤسسات الإعلامية المصرية بقضية السلامة المهنية لحماية الصحفيين من العنف أثناء الأزمات عن طريق تنظيم دورات تدريبية منتظمة حول أساليب الحماية وخاصة في مناطق الأزمات وتوفير أدوات الحماية للصحفيين خاصة أن العام الماضى وحده شهد سقوط نحو خمسين من الصحفيين والإعلاميين ضحايا العنف على مستوى العالم


السادس التزام القنوات الفضائية بالحياد وأخلاقيات المهنية في تداول المعلومات عن ظاهرة الإرهاب حتي لا تخلق شعورا بالاحتقان السياسي لدي المشاهدين بل عليها أن تساهم فى التصدي للأفكار الإرهابية والتوعية بالأخلاق الوطنية


السابعة وتبناها الروائى محمد سيد عيد وهى عقد حلقات نقاشية لكتاب الدراما لزيادة مهاراتهم الخاصة بالتعامل مع القضايا المتعلقة بالتمييز والمثيرة للفتنة الطائفية من أجل مضمون درامي مسئول وفعال هدفه نشر الحقيقة والبعد عن المبالغات والتهويل والعمل علي رفع قدرات كتاب الدراما


الثامنة دعا إليها الدكتور سيد عويس بضرورة إنشاء مرصد إعلامي عربى حتي يتسني رصد الثغرات الخاصة بتقديم الأخبار السياسية الخاصة بالإرهاب وتصحيحها


التاسع وتحدث عنها الدكتور عادل اليمانى أستاذ الإعلام وتضمن تبني ميثاق مهني وأخلاقي كامل لمساعدة وسائل الإعلام المصرية فى عرض القضايا السياسية


العاشر عمل كتيب لتحديد كيفية تغطية الحوادث الإرهابية بأمثلة محددة مثل حدوث انفجارات إرهابية أو اغتيالات أو نشر صور قتل وإصابات أو إجراء مقابلات مع الإرهابيين وكيفية كتابة البيانات الصحفية ووضع تعريف واضح للاصطلاحات المستخدمة، وربما كان من أهم ما قدمه المؤتمر دليل المصطلحات الإعلامية التى يجب أن تعتمدها وسائل الإعلام حتى تضمن أن تصل رسالتها بشكل إيجابى ودون الوقوع فى فخ التناقض أو السقوط فى مأزق التهويل والتهوين الذى تعتبره الدكتورة هويدا مصطفى أحد أهم أسباب فقدان الإعلام لمصداقيته


الحادى عشر والذى نبه إليه كثير من المشاركين وفى مقدمتهم اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية الأسبق وتمثل فى وضع خطة تطوير للإعلام الأمني لمواجهة الإرهاب


آخر الضوابط كان حصيلة ما انتهت إليه أكثر من خمس عشرة ورقة بحثية طالبت بضرورة استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لتعزيز الحوار بين الحكومة والشباب.. هذا ما إنتهت إليه مناقشات المؤتمر, لكن الخوف أن تلحق بما سبقها من مؤتمرات ونوضع فى ادراج أخرى او تشغل بها أرفف جديدة فى ارشبف الجامعات والمؤسسات دون فائدة.