فى عيد استقلال الجامعة: الوزير يشعل الخلاف داخل «الأعلى للجامعات»

16/03/2016 - 12:55:10

تقرير تكتبه: إيمان رسلان

عقدت جماعة ٩ مارس لاستقلال الجامعات احتفالها السنوى يوم الأربعاء الماضى بجامعة القاهرة، وتزامن مع الاحتفال انعقاد المجلس الأعلى للجامعات فى اجتماعه الدورى أيضًا، وبدلًا من أن يحتفل المجلس بالمناسبة التاريخية- كما تصور البعض- تحول الاجتماع إلى منصة للتراشق وتبادل الاتهامات، وكأن الرسالة المطلوبة فى هذا اليوم هى تشييع مفهوم استقلال الجامعات الحكومية إلى مثواها الأخير!


تعود الاحتفالية ليوم ٩ مارس لاستقلال الجامعة إلى ذكرى مهمة فى التاريخ، وهو اليوم، الذى تقدم فيه د. أحمد لطفى السيد، مدير الجامعة المصرية آنذاك - القاهرة الآن - باستقالته من منصبه احتجاجًا ورفضًا لقرار وزير المعارف -التعليم الآن- بإقالة د. طه حسين عميد الآداب بالجامعة من منصبه، وانتهت الأزمة بعد فترة، ولم يلتفت التاريخ لاسم وزير المعارف فى ذلك الوقت، الذى أصدر قرار إقالة د.طه حسين، وتضامن الجامعة معه، ولكن كتب التاريخ تذكر هذا اليوم تحت لافتة يوم استقلال الجامعة المصرية واسم د. أحمد لطفى السيد مديرها ود. طه حسين عميد الآداب.


ومنذ عدة سنوات قررت مجموعة من الأساتذة، على رأسها د. محمد أبو الغار ود. هانى الحسينى، صاحب الفكرة تأسيس جمعية، تتخذ من هذا اليوم مناسبة لاحتفالية تعليمية بمفهوم استقلال الجامعة، كما يروى د. عماد أبو غازى، وزير الثقافة الأسبق، وكذلك المؤرخ د. رءوف عباس فى كتابه : بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس الجامعة المصرية .


ولكن شتان ما بين التاريخين مارس ١٩٣٢ ومارس ٢٠١٦، لأن ما حدث فى اجتماع مارس ٢٠١٦ يستحق أن يروى كاملًا بدءًا من الدقيقة الأولى للاجتماع الذى رأسه وزير التعليم العالى، وحتى الدقيقة الأخيرة للاجتماع الذى اضطر الوزير إلى إنهائه سريعًا بعد أن أصبح كل بند فى جدول الأعمال أو حتى ما يستجد من الأعمال قنبلة متفجرة.


بدأت وقائع الاجتماع، كما علمت، بطلب د. غراب رئيس جامعة قناة السويس الكلمة وفور بدء حديثه الذى كان محوره هو الاستغراب والاستنكار مما فعله وزير التعليم العالى فيما يتعلق بإرسال الوزير لخطاب كان قد أرسله د. غراب رئيس جامعة قناة السويس إلى الوزير يتعلق بطلب لاعتماد صرف مليون جنيه، هى قيمة وتكلفة مصروفات إقامة أسبوع شباب الجامعات، الذى عقد بالجامعة فى وقت سابق، إلى الرقابة الإدارية لاستطلاع الرأى؟!


ولكن المفاجأة أن الوزير أنكر تمامًا أنه أرسل الخطاب، إلى الرقابة الإدارية وهنا قام د. غراب بمقاطعة الوزير، مؤكدا صحة مايقوله، ولكن الوزير استمر فى الإنكار أو أن يكون هو من أرسل طلبًا بهذا المعنى إلى جهاز الرقابة الإدارية.


إلا أن الدكتور غراب فتح دوسيه أعماله وأظهر التقرير وأخذ يقرأ منه ليوضح كيف أن تقرير جهاز الرقابة الإدارية أنصف الجامعة، بل وأظهر أيضًا خطاب الوزير الذى أرسله للرقابة!


الوزير قال مبررًا موقفه الأول من الإنكار بأن أسبوع شباب الجامعات لم يحدث فى عهده، وإنما حدث فى عهد الوزير السابق، بل وأضاف كيف أدعم نشاطا لم يحدث فى عهدى ولاعلاقة لى بذلك!.


وهنا انفعل عدد من رؤساء الجامعات، كما نقل لى زميلى عبدالرحمن العبادى، ومنهم القائم بعمل رئيس جامعة الزقازيق جامعة الوزير قبل أن يتولى المنصب قائلًا: إنه ليس من المقبول أن كل وزير يأتى يقول ليس لى علاقة بالذى قبلى وهكذا..


وأخيرًا ختم رئيس جامعة قناة السويس كلامه بانفعال، وهذا حقه لأن خطاب الوزير يمثل اتهامات له وللجامعة.


قائلًا وما علاقة الرقابة الإدارية، وهل نحن لدينا مخالفات فى ذلك الأسبوع والأوراق تمت الموافقة عليها من وزير التعليم العالى السابق، وبهذا حسم د.غراب الموقف بكلامه، ولم يعلق الوزير لينتهى المشهد الأول من الاجتماع.


ثم انتقل المجلس إلى البند الآخر فى جدول الأعمال، والذى بدأ باستغراض الوزير لتقرير لقائه بعدد من أعضاء البرلمان لعرض استراتيجية التعليم العالى.


هنا اشتعل الاجتماع، حيث تحفظ عدد كبير من رؤساء الجامعات إن لم يكن الغالبية على مايحدث، خاصة أنهم علموا بخبر الاستراتيجية الجديدة من وسائل الإعلام، ولكن المفاجأة الأكبر، التى كشفتها مناقشات المجلس الأعلى للجامعات أن المجلس ليس عنده أى فكرة أو معلومة عن هذه الاستراتيجية أو من وضعها ومع من تم أصلا ‘’مناقشتها قبل عرضها على أعضاء البرلمان، وقال بعضهم إنهم عرفوا بوجود إستراتيجية بذلك من تقرير خبرى أصدرته الوزارة، بعد الاجتماع مع أعضاء البرلمان مباشرة، وكالعادة لم يقدم الوزير تبريرا مقنعا لزملائه من رؤساء الجامعات عن عدم إخبارهم لاسمح الله من إصداره لاستراتيجية جديدة لتطوير الجامعات، وهى التى من المفترض نظريًا أن رؤساء الجامعات هم الذين سينفذون ما بها.


وعند هذه النقطة ارتفعت حدة الحوار وأذا بالوزير ينفعل ويقول، كما علمت، من رؤساء الجامعات مبررا هذا المسلك قائلا: إنه لم يأت بجديد وأنه وجد الاستراتيجية فى الدرج وأوراق المكتب وهى الاستراتيجية، التى تم وضعها من قبل الوزير السابق وهنا تجددت المشادات مرة أخرى.


وهنا يجب أن نتوقف بالتأمل لهذا المسلك المتناقض، فها هو فى بداية الجلسة يقول ليس لى علاقة بعمل وموافقات الوزير السابق، ثم عندما يجد فى مكتبه أوراقا حول خطة واستراتيجية لتطوير الجامعات من عمل الوزير السابق، يأخذها ويعرضها على المسئولين والجهات الرسمية.


واللافت للنظر أنه حتى هذه الاستراتيجية، التى تحدث عنها الوزير كانت أصلا محل اختلاف فى وجهات النظر داخل الجامعات، ولم تناقش رسميًا ولم تقر والبعض يردد أن سبب إقالة وزير التعليم العالى السابق كانت وراءها الاسراتيجية، التى وضعها منفردًا وبعيدا عن مشاركة المجتمع الجامعى والأخذ برأيهم حول مقترحات تطوير عملهم، مثلما يحدث الآن فى قضية تطوير قواعد الترقيات لأساتذة الجامعات، والتى يتحفظ عليها الكثيرون من الأساتذة.


وللحقيقة أن هذا المسلك الوزارى، وبصرف النظر عن أن الاستراتيجية هى من إبداع الوزير الحالى أو السابق أو الأسبق؟


إلا أنها فى النهاية تعكس لنا العادة الفرعونية أن كل شىء يدور فى الغرف المغلقة بعيدًا عن الميدان، الذى ستطبق فيه وأننا فى كل مرة نتحدث عن تطوير وتحديث ثم يذهب الوزير ويبقى الوضع على ماهو عليه، ولذلك أقترح ضرورة التفكير جديًا فى وضع «سركى» على باب كل وزارة يتم فيه وضع أعمال الوزراء السابقين مثل لوحة الشرف، حتى لا يأتى من بعدهم وينكرها، كما حدث فى الواقعة الأولى، أو ينسبها لنفسه، كما فى الواقعة الثانية .


ولكن لم ينته الاجتماع العاصف عند هذا الحد.. بل استمر خاصة عندما اقترح د. جابر نصار، أستاذ القانون ورئيس الجامعة، ضرورة مناقشة اقتراح تقدم به د. جابر تحت بند ما يستجد من أعمال ألا وهو وضع الضوابط التى تحسم العلاقة بين وزير التعليم العالى ورؤساء الجامعات والمجلس الأعلى للجامعات، ويأتى هذا الاقتراح على خلفية عدة بيانات وتصريحات رسمية لوزير التعليم العالى يخاطب فيها رؤساء الجامعات من خلال الإعلام مثل قضية انتداب أستاذ بكلية الحقوق للعمل مستشارًا للوزير، مع أنه يعمل فى أكثر من جهة أخرى.


وكذلك إرساله بيانا بجانب تصريحاته أنه طلب من جامعة القاهرة التحقيق فى واقعة سفر الطالبة خلود صابر للحصول على شهادة الدكتوراه من إيطاليا.


والمعروف أن قانون تنظيم الجامعات لا يعطى للوزير، كما فهم من البيان، معاقبة رئيس جامعة وأن دور المجلس الأعلى للجامعات طبقًا للقانون هو مجرد مجلس للتنسيق.


ولكن اللافت للنظر أن الوزير أرسل البيان للصحف يوم ٢١ فبراير الماضى ٢٠١٦ يؤكد فيه أنه طلب تحقيقه مع جامعة القاهرة، ولكنه تذكر أنه لم يرسل لجامعة القاهرة خطابا، فأرسل يوم ٢٢ فبراير ٢٠١٦ خطابًا، ولكن يطالب بـ»ود» التوصية لإجراء تحقيق حول سفر خلود صابر إلى إيطاليا لنيل شهادة الدكتوراه.


وهنا يجب أن نتوقف كثيرًا لأن قضية خلود صابر، التى أصبحت قضية رأى عام والتى سوف نروى وقائعها طبقًا للأوراق الصحيحة التى نملكها.


أولًا خلود صابر تعمل بكلية الآداب - جامعة القاهرة - وتقدمت بطلب فى شهر أغسطس ٢٠١٥ للحصول على إجازة دراسية لحصولها على منحة لنيل شهادة الدكتوراه من إيطاليا.


ووافقت الجامعة لها وطبقًا للعرف السائد فى تاريخ الجامعات المصرية، بل والقانون أيضًا، على أن نظام البعثات الرسمية للدولة شىء ونظام الإجازة الدراسية، التى يحصل عليها الطالب شىء آخر تماما.


وطبقًا للتقاليد الجامعية أيضًا تم إرسال خطاب إلى البعثات وتم إرسالة فى شهر سبتمبر عام ٢٠١٥، والمعروف أنه إذا لم يصدر رد خلال ٣٠ يومًا يسافر المبعوث فى إجازة دراسية إلى الخارج حتى تأتى أوراق البعثات، وهذا إجراء روتينى يتم ويتكرر عشرات المرات فى كل جامعة.. لأن المادة ١٢ الخاصة بالبعثات وتنظيمها لا تنطبق على حالة الإجازة الدراسية أى المنح باسم الشخص نفسه من الدول، التى تمنح البعثة، وليس من خلال البعثات الرسمية، التى تمولها الدولة من الموازنة المخصصة لذلك.


وانتظرت الطالبة خلود أكثر من شهر وسافرت إلى إيطاليا وتسلمت بالفعل فى الجامعة، التى قدمت لها المنحة، والتى وافقت جامعة القاهرة لها بالسفر إليها والإجازة الدراسية- طبقًا للقانون.


ثم كانت المفاجأة أنه جاء خطاب لكلية الآداب، مؤخرا، يطالب بعودة الطالبة خلود من الخارج، وإلا اعتبر غيابها عن الكلية والجامعة انقطاعًا عن العمل.


والغريب أن الخطاب أو تفسيره قيل فيه: إن ذلك تم لأسباب أمنية ويفهم منها أن الأمن وأجهزته لا يوافقون على سفر الطالبة خلود إلى إيطاليا لنيل شهادة الدكتوراه بمنحة دراسية خاصة أو إجازة دراسية.


المفاجأة الأكبر، التى نفجرها فى هذا الملف، هى أنه بتاريخ ٢٠ يناير ٢٠١٦ وافقت إدارة البعثات) رسميًا) على تخصيص منحة وسفر الطالبة خلود صابر إلى إيطاليا لنيل شهادة الدكتوراه من نفس الجامعة وفى نفس التخصص.


أى على حساب الدولة، وهذا يعنى أن الجهات الأمنية موافقة على منحة رسمية حكومية للطالبة خلود، وليس لوقف منحتها الخاصة خارج الموازنة العامة.


ولكن يبدو أن هناك من يفتعل دائمًا المشاكل ويثير الأزمات ليس فقط مع الطلاب، كما حدث فى واقعة انتخابات الاتحادات الطلابية وعدم اعتماد نتيجة فوز الطالب عبدالله أنور، رئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة، بمنصب رئيس اتحاد طلاب الجمهورية، بل وتم توجيه الاتهامات للأصابع والأيادى من الجامعات!، وعلى رأسها جامعة القاهرة، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى أزمات مع أغلبية رؤساء الجامعات الحكومية ولم تصبح «فوبيا» جامعة القاهرة فقط، وإنما من الجميع .


وإذا لم تصدقوا فلنعد إلى شريط الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للجامعات، الذى بالمصادفة، وهى خير من ألف ميعاد، انعقد فى توقيت الاحتفال؛ بمناسبة استقلال الجامعة، ولكن التاريخ حينما يعيد نفسه يكون حقيقة فى المرة الأولى وهزلا فى المرة الثانية.