سياسات إيجابية يمكن البناء عليها

16/03/2016 - 12:47:24

  الرئيس السيسى مع الملك سلمان وأمير الكويت فى مناورات «رعد الشمال» الرئيس السيسى مع الملك سلمان وأمير الكويت فى مناورات «رعد الشمال»

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

إذا كانت السياسات الانتقالية، التى تمر بها مصر والدول العربية جميعا دون استثناء واحدة تتسم بالعمق والتحولات السريعة الانقلابية، التى لا يمكن السيطرة عليها ولا يمكن البناء عليها، فقد وضحت مؤخرًا بعض التحولات المهمة، التى ترسخت ويمكن البناء عليها إيجابيًا لصالح الدول العربية، وهى زيارة الرئيس السيسى إلى حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية واجتماعه بالملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، والأمير محمد بن نايف آل سعود، ولى العهد والأمير محمد بن سلمان ولى ولى العهد وما تمخض عن الاجتماع من اتفاقات تعد الأهم بين مصر والسعودية، ثم تطورات الموقف فى ليبيا وتونس إلى الغرب من مصر ثم حديث الرئيس أوباما إلى أتلانتيك مؤخرا، وأخيرا ما رصدته من تحولات فى اتجاهات مجموعة من الشباب المصرى فكلها أمور من المهم البناء عليها لأنها أمور إيجابية وتقديرى أنها تغييرات حيوية تمثل اتجاها دائما أو يمكن جعلها اتجاهات راسخة يمكن البناء عليها وتطويرها لصالح أمتنا العربية.


وقبل التعرض لهذه التطورات لابد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت على لسان وزيرة خارجيتها السابقة كوندليزا رايس مشروعها للشرق الأوسط الكبير أو الموسع عام ٢٠٠٤، ولم نأبه له كعرب رغم أن التصريحات كانت واضحة والدراسات، التى أجرتها مراكز الفكر الأمريكية حول متطلبات تنفيذه كانت أكثر وضوحا، فقد قام على أساس نزع العروبة عن المنطقة العربية من خلال إجراءين، الأول تقسيم الدول العربية إلى مجموعة أكبر من الدويلات على أسس عرقية ودينية ومذهبية، وأشارت الدراسات إلى تقسيم الدول العربية إلى ٦٦ دويلة، وهو مشروع قديم طرحته من قبل إسرائيل لتحقيق أمنها القومى وكتبت عنه تفصيلا صحفية إيطالية، وجدت مقتولة فى ظروف غامضة، وقد أشار لى أحد الأصدقاء إلى أن طالبا فلسطينيا أعد رسالة علمية تستند إلى الوثائق الأمريكية بشأن المشروع منذ عدة سنوات.


والثانى إذابة المنطقة العربية فى كيان جغرافى أكبر يتسم بالتعدد الاثنى والدينى والمذهبى وهى منطقة الشرق الأوسط مع توسيع إطارها لتبدأ من المغرب وموريتانيا غربا إلى باكستان شرقا واطلق عليها الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وضمت من ضمن ما ضمت أفغانستان بكل تعقداتها وبكل ما تشمله من حركات إرهابية، وكان اعتراض بعض الدول العربية منصبا على هذا الإطار الجغرافى الواسع وربط الشرق الأوسط بالإرهاب الأفغانى وكان ذلك خطأ استراتيجيا وقعت فيه هذه الدول، لأنها تركت المشروع الأصلى وجوهره، وانصب اهتمامها على بعض تفاصيله.


ومن ثم فى هذا الإطار يمكن أن نفهم السياسات الأمريكية نحو سوريا والعراق وليبيا والتحركات السكانية على أراضى هذه الدول الثلاث، التى تستهدف تجميع السكان وفقًا للعرق أو المذهب أو الدين فى أطر جغرافية محددة تسمح بإقامة دويلة لهم فى تلك الأطر الجغرافية، إضافة إلى إدراك أسباب التحول الأمريكى ضد تركيا، نظرا لرغبة أمريكية فى إقامة الدولة الكردية، التى تستعد واشنطن لإقامة قاعدة عسكرية فيها مستقبلا لضبط حركة التطورات فى محيط شرق المتوسط، وفى آسيا الوسطى ذات الأهمية الاستراتيجية لواشنطن.


فى هذا الإطار يمكن أن نفهم مغزى زيارة الرئيس السيسى للسعودية، وحضوره مناورات رعد الشمال فى حفر الباطن وما أجراه من مباحثات مع أعلى مستوى سعودي، فحفر الباطن ترتبط ذهنيا لدى الشعوب العربية بحرب تحرير الكويت، والمناورات التى تمت موجهة بطبيعتها لدول ورسالتها واضحة للإرهاب، الذى يصول ويجول فى سوريا والعراق، وتوقيتها أنها تزامنت مع زيارة رئيس الوزراء التركى أحمد داود أوغلو لإيران، وما تمخض عنها من اتفاقات، ولذا كان الاتفاق المصرى السعودى على أمرين فى غاية الأهمية هما أن حل الأزمة السورية، لابد أن يكون سياسيا وفقا لتفاهمات جنيف والثانى رفض أى تدخل عسكرى لأى دولة مهما كانت.


معنى ذلك ببساطة رفض أى تدخلات عسكرية على الأراضى السورية وحل الأزمة وفقا لخطة المبعوث الدولى وها يقوض إمكانية تقسيم سوريا استفادة من للتحركات السكانية، التى استهدفت تقسيمها إلى ثلاث دويلات، وهذا الاتفاق المصرى السعودى له أهميته للأمن القومى العربى إجمالا لأنه يعنى وجود تنسيق عسكرى على أعلى مستوى بين مصر والسعودية وهما دعامتان أساسيتان من دعامات الأمن القومى العربى، إلى جانب الجزائر وأيا من سوريا أو العراق وكلاهما خارج المعادلة العربية الآن.


إذن هناك تنسيق مصرى سعودى على أعلى مستوى على وحدة الأراضى السورية وخروج الأسد، الذى فقد شرعيته منذ أمد طويل، وإقامة نظام حكم جديد فيها ديمقراطى، وهو أمر يقرره الشعب السورى الشقيق تحت إشراف الأمم المتحدة عن طريق انتخابات حرة.


هذا يعنى وحدة الأراضى السورية وعدم التقسيم على الأقل على المدى القصير، اللهم إذا أفرزت الانتخابات نظاما متأسلما كالموجود فى غزة أو السودان، وهى نظم تخلت عن مفهوم الدولة القومية وعن مفهوم الوطن، ولجأت إلى تقسيم البلاد والتخلى عن جزء منها من أجل البقاء فى السلطة، ولا أتصور ما سيكتبه التاريخ عنها.


كما أن هذا يعنى اتفاق الدولتين على أن مواجهة الإرهاب هى أولوية مطلقة وتحديدا الإرهاب، الذى يمثله داعش وجميع أنواع الميلشيات المسلحة فى الإقليم فلا يعقل أن يسلح جزء من الشعب يتسم بمذهب معين ليشن حربًا على الدولة أو لدعم الانفصال عن الدولة، فالفكرة الطائفية مرفوضة فى كافة صورها، ولا يمكن الاعتماد عليها لإقامة دولة وإلا لكانت لبنان الشقيق أقوى دولة عربية ولما شهدت حربا أهلية أتت على الأخضر واليابس، فضلا عن أهمية إذكاء روح المواطنة اليوم فى الدول العربية بكافة أبعادها، فهى السبيل لإقامة دولة قومية عصرية تأخذ بأسباب العلم وتنضم لمصاف الدول الشبكية، التى تحل محل الدولة القومية، التى ورثناها فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتى تطورت فى عقد التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادى والعشرين، ويكفى الإشارة إلى أن مفهوم السيادة، الذى كان مقدسا لحق به تطوران هامان أولهما تراجعه فى الأهمية لصالح مفهوم شرعية الحكم وثانيهما تأكله، ومن لا يصدق فلينظر إلى مفاهيم حقوق الإنسان والخصخصة والحوكمة والقانون الإنسانى وقوانين الملكية الفكرية ومكافحة الإرهاب ومشكلات اللاجئين والنازحين، فكلها بدأت كموضوعات من اختصاص كل دولة على حدة، إلا أنها اليوم أصبحت كلها وبدون استثناء من اختصاص المجتمع الدولى.


يزيد من أهمية ذلك أن الزيارة، التى قام بها أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركى لإيران قد أوضحت تقاربا إيرانيا تركيا على حساب السعودية، إضافة إلى ما تضمنه حديث الرئيس أوباما إلى مجلو اتلانتيك مؤخرا، واصفا السعودية بإنتاج المتطرفين والرئيس التركى أردوغان بأنه ديكتاتور توضح بجلاء النوايا الأمريكية تجاه السعودية، خاصة بعد أن سبق وأكد أوباما فى حديث سابق له عشية توقيع الاتفاق النووى الإيرانى أنه لا يرى فى منطقة الخليج وشرق المتوسط دولا بخلاف إيران وإسرائيل. أما عن تطورات الموقف على حدود مصر الغربية فى ليبيا فقد تمكنت قوات اللواء حفتر من تطهير المنطقة الشرقية من ليبيا بما فى ذلك مدينة بنى غازى من الإرهاب، مما دفع الإرهاب غربا لاختراق النقطة الأضعف، وهى بن جردان فى تونس الخضراء مما دفعها لإغلاق حدودها مع ليبيا.


وبن جردان تقع فى منطقة تتسم بانتشار الفكر السلفى الأصولى بها، الذى يمثل حاضنة طبيعية للتنظيمات الجهادية مثل داعش وإخوتها، ولعلنا نذكر أنصار هذا الفكر، حينما انطلقوا إلى العاصمة تونس ليعيثوا فسادًا فى الأضرحة الموجودة والجوامع التى شملت أضرحة.


وهذه التطورات تؤكد عدة حقائق أهمها أنه لا توجد دولة عربية واحدة محصنة ضد الإرهاب فداعش تتحرك من سوريا والعراق إلى ليبيا ومن الأخيرة إلى تونس وغدا من المتوقع انتقاله إلى الجزائر، وخاصة لدى تغيير السلطة المتوقع بالجزائر، وثانى هذه الحقائق أن داعش تشكيل إرهابى هش يمكن دحره بسهولة لأنه يفتقد لعقيدة عسكرية راسخة تسمح له بالصمود لتحقيق أهدافه خلافا لما تروج له واشنطن من أن تحالفا دوليا من ٦٦ دولة يحتاج لقرابة ٣ سنوات على الأقل لدحره.


وهو ما يؤكد حاجة الدول العربية إلى التعاضد والتعاون فى مكافحة الإرهاب فكما أن مصر تنظر لأمن الخليج العربى بوصفه جزءا لا يتجزأ من الأمن العربى، وقد عبرت مصر عن ذلك مرارًا وتكرارًا فإن أمن مصر جزء لا يتجزأ من الأمن الخليجى، وكذا أمن ليبيا والجزائر والمغرب، ولذا يعتبر العودة لمفهوم الأمن القومى العربى أساسا لمرحلة جديدة من العمل العربى المشترك خاصة أن مفهوم الأمن القومى طرأت عليه تغييرات عديدة نتيجة التحولات، التى لحقت بالدولة القومية فأصبحت كل دولة مطالبة بتحقيق الأمن الإنسانى، وهو أحد مكونات الأمن القومى، الذى لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الأمن الإقليمى الأوربى لا يمكن تحقيقه إلا على المستوى الأوربى، وكذا الأمن القومى العربى، لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعاون العربى.


أما حديث أوباما لمجلة اتلانتك فإنه أكد أن العلاقات الدولية تقوم أساسا لتحقيق مصالح لهذه الدول ولا تستند إلى صداقات أو علاقات شخصية، كما نتصور فى منطقتنا العربية، وإلا لما وصف السعودية بأنها مصدر للتطرف ولما وصف النظم العربية بالديكتاتورية، ولما أكد عدم توقف الإرهاب فى الشرق الأوسط إلا بتطبيع العلاقات السعودية الإيرانية، وهو ما يؤكد مجددا أن الولايات المتحدة لا يهمها إلا تحقيق مصالحها بإعطاء أولوية مطلقة لعلاقاتها بإسرائيل وإيران، فواشنطن تعامل إيران بعد الاتفاق النووى على أنها دولة نووية بالفعل، ولم لا والاتفاق، الذى أمكن التوصل إليه معها لم ينجح فى فك مسمار واحد من مفاعلاتها النووية، كما لم ينجح فى إيقاف تجاربها النووية إلا عند مستوى معين، فالاتفاق فى جوهره رهان قد يصيب، وقد يخطئ.


كما ذكر كيسنجر لأنه يستهدف تغيير توجهات السياسة الخارجية لإيران فى نهاية العشر سنوات لتتخلى عن الرغبة فى الهيمنة وتتصرف كدولة مسئولة، وهو أمر غير مضمون. وأخيرًا ففى إطار اهتمامى بالشباب ومستقبله فإننى أرى أن شباب مصر شباب واعد وله اهتماماته الجادة، وإن الدولة عليها مسئولية دعم توجهات هذا الشباب، فقد التقيت بشباب مابين طلاب كليات الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعات القاهرة والإسكندرية، وبنى سويف، وسن الأربعين على الأكثر يسعون لتنفيذ مبادرات تسد نقص الكوادر، الذى تعانى منه مصر ولو بصورة جزئية فهناك مجموعة تبنتهم مكتبة الإسكندرية مشكورة لتنفيذ مبادرة بنك الكتب لنشر الاهتمام بالاطلاع فى الأماكن العامة وجعل هذا الاطلاع عادة مصرية واختارت المجموعة فكرة «شخصية الإنسان المصرى” كموضوع للنقاش يوم ٢٧ الجارى بالإسكندرية، وتمت دعوة شخصيات عامة مثقفة للمشاركة وتقديم المقترحات لتطوير الفكرة فى إطار من تواصل الأجيال.


كذلك هناك مبادرة أخرى تطرحها مجموعة ثانية من الشباب لنشر ثقافة قانونية دولية والاستفادة منها لتطوير الأوضاع فى مصر مثل عمل ندوة يشارك فيها شخصيات قانونية عالمية عن المحكمة الجنائية الدولية واختصاصها وأسلوب المحاكمة ويسهم فى هذه الندوات كفاءات دولية فى القانون الدولى للتفاعل مع الاتجاهات العالمية فى القانون الدولى.


كذلك هناك مبادرة أخرى للإسهام فى محاولة حل بعض المشكلات التى تعانى منها مصر ومنها على سبيل المثال سد النهضة والسعى لتأكيد فكرة استخدام الأنهار الدولية كأداة تعاون بدلا من جعلها أداة تنافس ومبادرة رابعة تعرفت عليها فى كلية الاقتصاد بجامعة بنى سويف، وهى من بنات أفكار طالبة مازالت تدرس تستهدف إعداد شباب الجامعات للعمل بالخارجية والمنظمات الإقليمية فإذا بالفكرة تطبق هذا العام فى بنى سويف والإسكندرية، وهو ما يعنى أن الشباب نجح فى التشبيك لتنفيذ أفكار بناءة، وهذه المبادرة تتبناها وزارة الشباب، إضافة لمبادرة أخرى تهتم بالدراسات المستقبلية.


وأعترف أننى عدت من رحلتى إلى الإسكندرية بطاقة إيجابية هائلة فقد ازداد إيمانى بالشباب وبأنه خامة ممتازة يمكن الاعتماد عليها فى المستقبل، وكل ما فى الأمر أن الأمر يحتاج لقدر أكبر من التنسيق بين المسئولين الحكوميين، الذين بيدهم مقاليد الحكم وبين شباب الجامعات، وهو جهد سيعود على مصر بكل الخير.


إن الرئيس السيسى اعترف فى حديث له مع أحد مقدمى البرامج أن هناك مشكلة فى الاتصال (سوء اتصال) بالإعلام للتنويه عن منجزات الحكومة، وهذا حق ولكن سوء الاتصال هذا لا يتعلق بالإعلام فقط، ولكنه يتعلق أيضًا بالشباب، وأعلم مبادرة الرئيس التى انضم إليها ألفا شاب، ولكننى أتحدث هنا عن الحكومة بمعناها الواسع لأن ٢٠٠٠ شاب فى دولة تعدادها تخطى التسعين مليونا نسبة تحتاج لتدعيم، خاصة أن الشباب، الذى أتحدث عنه له مبادراته، التى ينبغى الاهتمام بها وهى مسألة متأكد أن الرئيس يهتم بها.


فليكن الاهتمام بهذا الشباب مكونا هاما من مكونات سياستنا العربية فى المرحلة القادمة، فالشباب هم أكبر قطاع يمكنه مواجهة الإرهاب، خاصة أنه شباب يمكن وصفه بأنه شباب مستنير، وأمل مصر الغد، والله على ما أقول شهيد.