الامين أحمد أبو الغيط رسائل مهمة مصرية وعربية

16/03/2016 - 12:45:57

بقلم - عبدالقادر شهيب

لم ينتبه كثيرون للرسائل العديدة، التى تضمنها قرار اختيار أحمد أبوالغيط أمينًا عامًا للجامعة العربية لخمس سنوات قادمة، تبدأ من منتصف هذا العام، خلفًا لنبيل العربى، الأمين العام الحالى، وذلك فى ظل انشغال البعض بالموقف القطرى تجاه هذا الأمر.


الرسالة الأولى أن مصر اليوم ٢٠١٦ صارت تختلف عن مصر أمس٢٠١١.. فهى فى ٢٠١١ لم تتقدم صراحة وعلنا وبشكل رسمى بمرشح لها، وإن بارك المجلس العسكرى الذى كان يدير شئون البلاد فى وقت عصيب كان المتآمرون فيه يوجهون ضرباتهم من كل صوب لنا


ترشيح د. مصطفى الفقى مساعد وزير الخارجية السابق، ومساعد الرئيس السابق للمعلومات، وتركه يواجه بمفرده الأمر ويسعى بنفسه لجمع التأييد والدعم العربى له، فى مواجهة إصرار قطرى على تقديم مرشح لها لهذا المنصب وهى المرة الأولى التى بادرت فيها دولة عربية بذلك، بينما كان الأمر لا يتجاوز فقط مجرد التعبير عن الرأى مثلما فعلت الجزائر فى السابق لتداول هذا المنصب الذى ظل منذ إنشاء وتأسيس الجامعة العربية فى منتصف الأربعينيات مصريًا باستثناء الفترة التى أعقبت إبرام المعاهدة المصرية الإسرائيلية والتى قاطعت فيها معظم الدول العربية مصر واتخذت قرارًا بنقل مقرها من القاهرة إلى تونس، ووقتها تولى منصب أمينها العام الشاذلى القليبي لرفض الأمين العام المصرى وقتها ذلك القرار.


وإزاء الإصرار القطرى على رفض اسم د. مصطفى الفقى وتمسكها بمرشحها وفى إطار اتصالات رسمية مصرية قطرية وعربية وبتدخل أيضًا لكاتبنا الكبير المرحوم الأستاذ محمد حسنين هيكل تم استبدال مصطفى الفقى بنبيل العربى ليترشح لهذا المنصب، وفى المقابل تنازلت قطر وسحبت مرشحها الذى كان يتولى من قبل منصب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجى.


أما اليوم فإن مصر اختارت مبكرًا مرشحها وهو أحمد أبوالغيط وأصرت عليه وقامت هى بالترويج له وإقناع الدول العربية به، وحينما تأكد لها أن أغلبية الدول العربية، بما فيها الدول العربية الأكثر تأثيرًا، توافق عليه وتقبل به قامت بالإعلان عن اسم مرشحها، وطلبت أن يتم عرض هذا الترشيح على الاجتماع الذى عقد الأسبوع الماضى لوزراء الخارجية العرب فى القاهرة نظرًا لتأجيل القمة العربية التى كان مقررًا عقدها فى مارس أو فى إبريل من هذا العام.. ولعل ذلك كان أحد الأسباب لعدم تقدم أحد من الدول العربية، خاصة قطر، بمرشح لها هذه المرة كما فعلت من قبل.


وعندما رفضت قطر والسودان ترشيح أبوالغيط لهذا المنصب وهو أعاق تحقيق التوافق المطلوب طبقًا لميثاق الجامعة على المرشح لمنصب الأمين العام، أصرت مصر بوضوح وحسم على ضرورة إنهاء الأمر فورًا وليس تأجيله لمدة شهر - كما يقضى الميثاق أيضًا - ثم إجراء انتخابات كان سيحقق فيها أبوالغيط النصاب المطلوب من الأصوات وهو ثلثا عدد أصوات الدول العربية الأعضاء بالجامعة.. واستجابة لطلب مصر وتجاوبًا مع موقفها بذلت الدول العربية الخليجية وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية دورًا وجهدًا مكثفًا من أجل إثناء قطر والسودان عن الرفض ونجحت فى ذلك لينتقل السودان من الرفض إلى الموافقة وتنتقل قطر من الرفض إلى الموافقة مع تسجيل تحفظ.. وهكذا تحقق لمصر ما أرادت.


وهنا يمكننا أن نلمس بوضوح الفارق فى المكانة والنفوذ والقدرة للدولة المصرية عام ٢٠١٦ ، وعام ٢٠١١.. كلمة مصر الآن صارت مسموعة ومحل اهتمام واستجابة فى محيطها العربى.. وهذا تطور شديد الأهمية ولم يتحقق هكذا فجأة، وإنما تحقق بعد أن تماسكت مصر بعد كل ما تعرضت له ووقفت بقوة على قدميها، فما بالكم كيف سوف يكون حالنا بعد أن نحقق النصر فى حربنا ضد الإرهاب ونمضى قدما فى بناء دولتنا العصرية القوية المدنية والديمقراطية؟


أما الرسالة الثانية التى تضمنها حدث اختيار أحمد أبوالغيط أمينًا عامًا للجامعة العربية فهو يتمثل فى الموقف الجزائرى المؤيد له والذى بادرت الجزائر بإعلانه مسبقًا قبل انعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب.. الجزائر لم تتحدث هذه المرة كما تحدثت من قبل عن تداول هذا المنصب بين الدول العربية، وإنما أيدت فورًا الترشيح المصرى.. وبالتأكيد اختيار أبوالغيط شخصيًا كان له دور فى هذا الشأن، خاصة أنه خلال الخلاف الذى ثار بين مصر والجزائر بسبب مباراة لكرة القدم كان أبوالغيط وقتها وزيرًا للخارجية، والجزائريون لمسوا حرصهم على صيانة وحماية العلاقات المصرية الجزائرية من المهاترات والاندفاع على الجانبين.. ولكن حرص الإدارة المصرية الحالية على علاقات طيبة مع الجزائر حتى وإن اختلفت بعض الرؤى بخصوص علاج المشكلة الليبية، كان له تأثيره فى هذا الصدد.. ولعلنا نتذكر أن أول زيارة قام بها الرئيس السيسى للخارج بعد انتخابه رئيسًا لجمهورية مصر كانت للجزائر.. ولقاء الرئيس الجزائرى بوتفليقة.


ثم تأتى الرسالة الثالثة وهى تتعلق بالمملكة العربية السعودية وعلاقتها مصر.. فهذه العلاقة تعرضت ومازالت تتعرض لكثير من الشائعات التى تتحدث عن حدوث خلافات بل ومشاكل وأزمات فيها نتيجة تباين الآراء والرؤى بخصوص بعض القضايا العربية وغير العربية، وفى مقدمتها الملف السورى حيث الأولوية لدى مصر ليس هو الإطاحة بالرئيس السورى بشار الأسد مثلما ترى ذلك السعودية وإنما هو الحرص على كيان الدولة السورية، ووحدة أراضيها، وحيث رحبت السعودية بتدخل برى فى سورية بينما تحفظت مصر، وحيث أيضًا عارضت السعودية التدخل الروسى بقوة، بينما لم تعارضه مصر فى ظل حرصها على علاقات مميزة مع روسيا.. ولكن ها هو التأييد السعودى لمرشح مصر كأمين عام للجامعة العربية يؤكد أن كلا البلدين رغم الاختلاف فى الرؤى والآراء أحيانًا يحتفظان بعلاقات قوية ومتينة جعلت السعودية لا تكتفى فقط بتأييد أحمد أبوالغيط، وإنما بالقيام بدور نشط لتعديل الموقف القطرى والموقف السودانى وتنجح فى ذلك.. أى أنها راعت إلى مدى بعيد الموقف المصرى الذى أصر على اختيار أبوالغيط فورًا وليس تأجيل ذلك لمدة شهر ثم إجراء انتخابات.. ولعل من تابعوا كل ما يصدر فى مصر من بيانات وتصريحات حول العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ أن تولى الرئيس السيسى المسئولية كرئيس للجمهورية سوف يكتشف أنها تتحدث عن تقارب فى المواقف وليس توافقًا فى المواقف.. أى أننا ندرك أن حدوث اختلاف فى الآراء وارد، وذلك لا يجب أن يفسد علاقاتنا، وأعتقد أن ذلك تدركه السعودية أيضًا.. ولذلك نحن لا يزعجنا وجود علاقات طيبة بين السعودية وتركيا رغم تعكر علاقاتنا معها مثلما لا يزعج السعودية حرصنا على علاقات طيبة مع روسيا رغم الانتقادات السعودية للسياسة الروسية.. المهم أن هناك توافقًا على ما يهدد الأمن القومى العربى، لارتباط ذلك بكل من الأمن القومى المصرى والأمن القومى السعودى.


وهكذا.. جاء اختيار أحمد أبوالغيط أمينًا عامًا للجامعة العربية مناسبة ردت بها المملكة العربية السعودية عمليًا على كل الشائعات والأقاويل التى استهدفت علاقتها مع مصر.. فإن هذه العلاقات لو كانت متعكرة أو حتى فاترة كما روجت هذه الشائعات ما كانت السعودية قد دعمت المرشح المصرى على هذا النحو الفاعل والمؤثر لدى دول عربية أخرى أيضًا.. إذن رغم عدم التوافق التام فى الرؤى والآراء والمواقف تجاه كل القضايا التى تهم المنطقة العربية فإن العلاقات المصرية السعودية مازالت قوية.


وتتبقى أخيرًا الرسالة الخاصة باسم الأمين العام الجديد للجامعة العربية وهو أحمد أبوالغيط.. إنه دبلوماسى مصرى قدير خبير بهموم وقضايا ومشاكل منطقتنا العربية، ويدرك المخاطر التى تهددنا، ويعى أطماع عدد من الدول الإقليمية منها، ويلم بالتطورات العالمية ربما أكثر مما كان الحال عندما كان يتولى رئاسة الوفد المصرى فى مجلس الأمن.. وبالتالى فهو يعرف أنه عليه قيادة الجامعة العربية فى وقت عصيب تزيد فيه المخاطر والتهديدات للدول العربية ولكيان الجامعة العربية، ولذلك سوف يخصص جل جهده من أجل درء هذه المخاطر ومواجهة هذه التحقيقات وصيانة الأمن القومى العربى، وأيضًا حماية الجامعة العربية ذاتها من الانقراض، حيث ارتفعت للأسف أحداث تتحدث عن تكهنات بأن أبوالغيط هو آخر أمين عام للجامعة العربية، بما يعنى أنها ستنتهى أو تموت فى غضون بضع سنوات.


ومن المؤكد أن أحمد أبوالغيط الذى كان يؤدى واجبه كوزير للخارجية المصرية وهو يدير علاقتها مع شتى الدول ومن بينها قطر والسودان، لن يؤثر عليه الموقف القطرى المعارض والذى صار تحفظًا والموقف السودانى الذى كان تحفظًا على ممارسته لعمله كأمين عام للجامعة العربية.


أبوالغيط ليس هو الدبلوماسى الذى ينتقم أو يثأر لأمر شخصى.. هذا لم يفعله وهو وزير للخارجية فى مصر وقبلها مندوب دائم لها فى مجلس الأمن، بل وفى كل المواقع الدبلوماسية التى تولاها.. وإنما هو الدبلوماسى الخبير والمحنك والمستوعب لدوره وواجباته فى عمله.. إنه صار الآن أمينًا للجامعة العربية بكل أعضائها حتى الذين تحفظوا عليه من قبل.. ولذلك انتظروا منه جهدًا لإنقاذ الجامعة من الضياع وحماية العمل العربى المشترك من الضياع وتأمين كل المصالح العربية والأمن القومى العربى.. وتصريحاته الأولى تبشر بذلك.



آخر الأخبار