البرلمان الأوربى وحصان طروادة المعاصر

16/03/2016 - 12:42:32

السفير د. رضا شحاتة

فى عقد السبعينيات كانت استراتيجية الغرب تقوم على غزو العدو التاريخى التقليدى الاتحاد السوفيتى، لا من خلال الناتو، الذى يواجه حلف وارسو، بل غزوه من الداخل، فيما عرفه التاريخ الإنسانى من قبل فى حروب الإغريق، بأسطورة (حصان طروادة) الذى اختبأ داخله الأعداء فاستطاع جنود أثينا بعد حرب سنوات عشر اقتحام طروادة المحصنة بخدعة استراتيجية خيّل لسكان طروادة أنهم قد انتصروا فيها وفازوا بالغنيمة، ذلك «الحصان الخشبى» وهى الأسطورة التاريخية لفن الخديعة فى الحرب، التى وردت فى الأدب اليونانى القديم فى «الالياذة» لـ هوميروس، اليونانى، ومرة ثانية فى الأدب الرومانى فى انيادة «فرجيل اللاتينى».


يعود الغرب اليوم الاتحاد الأوربى من خلال «حصان طروادة الجديد فى القرن الحادى والعشرين فى عقده الثانى، مستخدماً جنوده المختبئين داخل البرلمان الأوربى ليحاول من جديد اقتحام المدينة (طروادة) المستعصية وهى مصر اليوم بعد الثلاثين من يونيه ٢٠١٣ بعد سنوات ثلاث من الثورة الثانية المتجددة على «حكم دينى» ساقط هدد مصر الحضارة والتاريخ والتنوير بالنكسة إلى العصور الوسطى المظلمة التى كانت أوربا نفسها قد خرجت من ظلماتها منذ ستة قرون مضت.


البرلمان الأوربى فى تقريره، وبالأحرى قراره الصادر فى الثامن من مارس هذا الشهر، إذ يتحدث ويستفيض فى شرح الحالات والنماذج والأمثلة لما وصفته بانتهاكات حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون فى مصر، بعد استعراض قراراته سنوات ٢٠١٣- ٢٠١٤-٢٠١٥، مستخدماً الاستعانة حتى بنصوص الدستور المصرى ومواده ثم بالتركيز، كنقطة انطلاق فى شن الهجوم الأسطورى على (طروادة) المدينة، مصر حادث مصرع الشاب الإيطالى طالب الدكتوراه بجامعة كمبردج (جوليو ريجينى) الذى يكاد يخلع عليه صفة (الشهداء) لما لقيه من «تعذيب حيوانى» كما وصفه التقرير، وليس فى هذا مطلقاً أى محاولة للتقليل من بشاعة الحادث الإجرامى أو الإرهابى ـ حتى تتكشف الحائق الكاملة، لكن الشاب الإيطالى تحول فى التقرير فعلاً إلى (الحصان) «الخشبى» الذى يخفى البرلمان الأوربى كل أسلحته المسمومة ضد مصر بعد الثورة يحاول أن يدمر فى تقريره كل رموز مصر، الأمن، البرلمان، الدستور، الإعلام ثم الرئيس نفسه وسياسته القمعية السلطوية، كما وصف التقرير ـ أو القرار فى فقراته وديباجته التمهيدية التى تصل إلى ثلاث عشرة فقرة وإلى مواده التنفيذية التى يحدد فيها العقوبات التى يهدد بها مصر فى ٢٣ فقرة متتالية.


لم يترك تقرير البرلمان الأوربى مظهراً من مظاهر الحياة السياسية أو المدنية فى مصر إلا وصورها تصويراً قاتماً مظلما، من سجن تعسفى أو اعتقالات تعسفية لسجناء الضمير وللصحفيين وللنشطاء السياسيين، ولم يهمل بالطبع الإخوان المسلمين «الأبرياء المسالمين» الذى يزعم التقرير أن ٢٢٠٠٠ منهم قد نزلوا فى المعتقلات المصرية الى جانب المئات الذى حكم عليه بالإعدام (لم يشر طبعاً إلى محاكم النقض وإعادة المحاكمات، ولم يشر التقرير البرلمانى الأوربى إلى عدم تنفيذ حكم الإعدام.


فى فقرات متصاعدة من درجة الغضب، ودرجة القلق، ودرجة الإدانة أى كل ما عرفته قواميس التقارير الدولية من غضب وقلق وإدانة وشحب، ينتقل التقرير الى جوهر مطالبه وهو التحريض السافر الفاجر لوقف زيارة الأجانب لمصر ـ أى ضرب قطاع السياحة والاقتصاد المصرى فى القلب، ويطالب بإطلاق سراح السجناء السياسيين (طبعاً قادة الإخوان الكبار ثم النشطاء والسياسيين الشباب بالاسم واحداً واحداً) ولم يفت التقرير (الطروادى) أن يدعو البرلمان المصرى الى إلغاء قانون التظاهر، ثم «تنقية المناخ الإعلامى» والإفراج عن المدونين الأحرار الذين يمارسون أنشطهم المشروعة.


أما المطلب الجوهرى المحورى الذى يطرحه التقرير الأوربى البرلمانى المدافع عن حقوق الإنسان المصرى فهو الإعراب عن رفضه وإدانته الشديدة المطلقة لأحكام الإعدام ضد الإخوان المسلمين فى محاكمات غير عادلة فى تدخل سافر وممجوج يصل إلى حد الفجاجة فى أحكام القضاء المصرى والسلطة القضائية، الدعامة الحقيقية لأى نظام ديمقراطى متحضر.


ثم يرفع السيف أو يشهر السلاح فى وجه مصر متصوراً أن ذلك سوف يبث الرعب فى نفوس حكامها وشعبها بالدعوة لمراجعة شاملة للعلاقات مع مصر وبوقف أى تعاون أمنى أو مساعدات أمنية للسلطات المصرية ـ بل ويصل فى مستوى الجهل فى دفوعه الى اتهام السلطات الأمنية فى مصر بأنها هى التى تشعل نيران التطرف والتيارات الراديكالية !


ولا ينسى التقرير أن يطالب دول الاتحاد الأوربى، خاصة فرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة بوقف صفقات السلاح مع مصر وحظر تصدير أى معدات أمنية ومعونات عسكرية لمصر، ويأسف التقرير ـ بالمرة من إجراء تحقيقات حول «تمويل المنظمات المصرية والأجنبية التى تعمل فى مجال حقوق الإنسان، وهذا الأمرـ أو الإجراء المصرى « يهدد أنشطة المجتمع المدنى.


« هذا التقرير ـ أو القرار أو صحيفة الاتهام المتهافتة ضد مصر ونظامها الجديد، أمناً وجيشاً وبرلماناً وقضاءً وإعلاماً ودستوراً، يطالب رئيس البرلمان الأوربى بتوجيه هذا القرار الى رئيس الجمهورية فى مصر، وإلى حكومتها، ثم ينقل مستوى العداء الى الساحة الإفريقية، فيطالب اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان بنفس المطالب ضد مصر.


هذا كله فى تقديرى يمثل اليوم عداءً شاملاً واستراتيجية متكاملة (عسكرية ـ وأمنية وسياسية واقتصادية) معلنة معادية سافرة للبرلمان الأوربى ضد مصر الثورة وضد شعبها، وليس هذا بالأمر الذى يجب أن يثير دهشة من مراقب حلل وقيمّ ردود أفعال الدول الأوربية فرادى أو منظمات لما حدث فى مصر بعد ثورة الثلاثين من يونيه ٢٠١٣ والتى نقول اليوم بكل ثقة واطمئنان إنها أنقذت مصر من الضياع كدولة قومية متماسكة كادت تضعها على شفا حرب أهلية كما حدث فى دول حولها ظل حكم إخوانى لا يدين بالولاء إلا لتنظيم عالمى باركه ورباه وموله واستخدمه ساسة وقادة دول أوربية ظلت تدعى الشراكه الاستراتيجية و»العلاقات التاريخية» مع مصر منذ عقود طويل’.


ليس هذا كله بغريب عندما يقرأ كاتب هذه السطور فى فبراير الماضى فقط أى قبل أسابيع قليلة من إصدار هذا القرار من البرلمان الأوربى، عندما نقرأ تقريراً مماثلاً لا يقل فى شراسته وعنفه وهجومه المستميت على الأوضاع فى مصر، وليس من الغريب المذهل أن يصدر هذا التقرير المماثل ـ الذى يقع فى ٢٤ صفحة عن واحد من أهم وأشهر مراكز الأبحاث فى السياسة الخارجية فيما سمى بأوراق فلاديفيا ـ رقم ١٢ فى فبراير ٢٠١٦ تحت عنوان ـ برلمان (المقصود البرلمان المصرى ـ «برلمان بلا سياسة، محاولة تدعيم الحكم السلطوى)».


لم يترك التقرير الثانى ركناً من أركان دعائم أو أجزاء خارطة الطريق فى مصر إلا وحاول هدمها ـ بدءاً من النظام الانتخابى، مروراً بالأحزاب المصرية خاصة حزب الدعم لمصر الدولة الذى وصفه بأنه يتكون من برلمانيين سابقين من نظام مبارك وضباط متقاعدين من الشرطة والجيش وأعضاء الحزب الوطنى وكبار رجال الأعمال, وكلهم مدعومون من الدولة، ولم تترك اللواء سيف اليزل فاتهمته صراحة هذه الدراسة بأنه حاول امتصاص أو إسكات القوائم المنافسة خاصة أنصار المرشح الرئاسى السابق أحمد شفيق، الذى حاولت المخابرات ـ كما ادعت الدراسة أنها تحذره بالابتعاد عن السياسة ومارست الضغوط على أنصاره.


«تشير الدراسة إلى محاولات السيطرة على البرلمان، مثلما كان يفعل نظام مبارك، بل والسيطرة على رئيس البرلمان وتكرر الإشارة مراراً إلى جهود اللواء سيف اليزل فى تشكيل ائتلاف دعم الدولة المصرية، الذى أثار السخط لما انطوى عليه من إشارات غير مباشرة بأن الآخرين هم أعداء الدولة.


هذه الدراسة السابقة على قرار البرلمان الأوربى تجعلنا نتساءل، هل هى مقدمة أو تمهيد لتحول قادم فى اتجاهات الإدارة الأمريكية أو اتجاهات الحكومات الأوربية فى البرلمانات القادمة، فهى تتحدث ـ الدراسة ـ فى القرار فيما بعد عن حكم عسكرى لا يقبل بالمعارضة، وجهاز أمن قمعى، وخانق للحريات والإعلام، ومعادٍ للمجتمع المدنى، ويمارس الاعتقالات ضد الإسلاميين ـ مرة أخرى ـ البكاء على حائط الإخوان المسلمين ـ الحلفاء القدامى لعواصم معروفة فى أوربا وفى الولايات المتحدة ـ والسخرية المكشوفة من مبادرات الحكم فى مصر بالتخفى وراء المشروعات الكبرى العملاقة ـ قناة السويس الجديدة، مشروع المفاعلات النووية فى الضبعة وغيرها دون اعتبار للتكاليف الفلكية.


حتى البرلمان ـ آخر فصل من فصول خارطة الطريق، فالدراسة الجديدة ـ السابقة على قرار البرلمان الأوربىـ لا ترى فى هذا البرلمان إلا مجرد واجهة وصورة فقط للديمقراطية.


ولا ترى فى الحياة السياسية الحزبية فى مصر إلا محاولات لقمع الخطاب السياسى، وليس فى الصورة الكلية لمصر الآن إلا إخفاق فى الأداء الاقتصادى وتفاقم المشكلات الاجتماعية، وازدياد الجدل يوماً بعد يوم حول مستقبل النظام نفسه، وهذا هو فى تقديرى هو بيت القصيد ، الضرب المباشر فى قلب النظام ليس فقط بالتشكيك فى مبرراته وجدواه وأدائه بل حتى فى مستقبله حتى ولو كان هذا النظام الجديد لم يكد يكمل سنواته الثلاث فحسب، وهذا البرلمان الأوربى نفسه لم يصدر تقريراً كهذا بعد مرور ثلاثين عاما جامدة متحجرة تراجعت فيها مصر فى كل المجالات تقريباً وليس آخرها حقوق الإنسان المأسوف على إهدارها.


أما الرئيس السيسى فكان حظه من التقرير أنه قد أشار إلى ( أن الدستور قد أعطى صلاحيات واسعة للبرلمان وإن ذلك كان بنوايا حسنة)، لكن الرئيس السيسى حذّر فى نفس السياق بأن (الدولة لا تدار بالنوايا الحسنة). رأت الأستاذة الباحثة التى وضعت هذا التقرير المنذر بأن حديث الرئيس السيسى إنما يوحى بنواياه فى تعديل الدستور لتوسيع صلاحيات الرئيس، وتقرأ فى ذلك قراءة غريبة وهى التمهيد ـ بهذا التعديل المفترض أو المقصود ـ لحكم سلطوى ـ أى حكم استبدادى قادم فى مصر.


قراءة هذه الدراسة ومحاولات شبه علمية أخرى أو كتب بأسلوب يوحى بالمنهج العلمى الموثق يعيد للذاكرةـ وذاكرتى شخصياَ كواحد من الذى قرأوا محاضر الكونجرس الأمريكى المكتوبة فى مكتبة الكونجرس فى واشنطن وفى صحافة ذلك الوقت فى الخمسينيات عن عبد الناصر ـ لم أجد كلمة أو سطراً واحداً يمتدح عبد الناصر أو سياسة عبد الناصر لا داخلياً ولا خارجياً خاصة مشروعه القومى السد العالى، وخاصة تسليحه للجيش المصرى وبناء قوات مسلحة قوية بالدعوة عندئذ لوقف تسليح مصر (الإعلان الثلاثى عام ١٩٥٠) وهى (نفس دعوة البرلمان الأوربى اليوم ونفس السيناريو ونفس الحجج والمقولات المغلوطة تتكرر بلغة جديدة وبمرئيات جديدة وبمفردات العصر عن حقوق الإنسان والنشاط السياسى والاختفاء القصرى، كل ذلك دفاعاً عن إرهاب الإخوان المسلمين والإسلاميين المسالمين والمجتمع المدنى البرىء.


لم ولن نجد كلمة واحدة لا فى قرار البرلمان الأوربى ولا فى دراسة معهد بحوث السياسة الخارجية عن الإرهاب فى سيناء ولا الضحايا من رجال القوات المسلحة أو رجال الأمن والشرطة ولا المدنيين، لن تجد كلمة عن مكافحة مصر للإرهاب على حدودها الشرقية والغربية، لن تجد سوى تنديد بالثورة التى أسموها فى البداية (الانقلاب) ثم عدلوا عن التسمية خجلاً من تفاهتها وسذاجتها وسجلوا إدانات شاملة لكل ما جرى ويجرى فى مصر بعد الإطاحة بحكم دينى شمولى إخوانى ترعرع فى كبريات المدن الألمانية والإنجليزية والأمريكية والسويسرية، ولم يزل كذلك هى حرب الجيل الرابع، وحرب نفسية مركزة والغزو من الداخل لمصر اليوم.


أن يكون لمصر جيش قوى قادر على حماية دولة مصر القومية فأمرٌ غير مقبول، وأن يكون لها أمن يقظ ساهر على أمن مصر فى الداخل والخارج، وأن تقف مصر أمام حرب الأفكار وحرب الإرهاب فلا يجب أن يستمر، وأن تتصدى مصر لحرب الجيل الرابع، حرب الدول والتنظيمات المشبوهة المسماة تاريخياً باللادول أو الحرب الهجين اليوم فلابد من التصدى له، وأن يكون لمصر قضاء عادل لا يلتزم إلا بالقانون والدستور فيجب إسقاطه، أما فى النهاية أن يكون لمصر برلمان يتوج خطة التحول السياسى الى نظام ديمقراطى معاصر، وأن يكون لها رئيس قوى فاهم واعٍ لمتغيرات العصر فى الشرق والغرب أيضاً، فأمر لايجب السكوت عليه ثم هو فى التحليل الأخير رجل من صفوف جيش مصر وقواتها المسلحة فأمر لم يكن من السهل أن تبتلعه لا البرلمان الأوربى ولا مراكز الأبحاث الأمريكية ولا الأوربية، فقد حان الوقت إذن لفتح النيران من كل المدافع والعواصم.


ويوم أن تفتح مراكز الأبحاث الأوربية ملفات حقوق الإنسان وانتهاكاتها فى دولها، مثل ظاهرة الإسلاموفوبيا واضطهاد المهاجرين عرباً ومسلمين، والناشئة الجديدة الممثلة فى أحزابها اليمينية، يومها يمكن أن نقول إن المراكز الأوربية البحثية محايدة منصفة، لكنها لم ولن تفعل لا هذا ولا ذاك، وعندئذ سوف نحاول نحن هنا فى مصر أن نكشف هذه الأوراق، التى تتحدث عن فضائح انتهاكات حقوق الإنسان فى دول الاتحاد الأوربى، التى صمت البرلمان الأوروبى فى مناقشاته وفى قراراته أن يتحدث عنها، أما نحن غداً فسوف نتحدث عنها وبالتفصيل والأسانيد.



آخر الأخبار