الحرب النفسية أخطر أساليب الصراع فى حروب العصر

16/03/2016 - 12:40:55

بقلم - عميد: طارق الحريرى باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

تعتبر أعتى أشكال الحرب النفسية هى تلك العملية التى تمت بإطلاق حملة دعائية هائلة قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية فى مطلع الثمانينات معلنة عن قيامها ببدء مشروع عسكرى كوكبى تحت مسمى حرب النجوم بهدف جرجرة الاتحاد السوفيتى المنهك من بيروقراطية الحزب الشيوعى الذى لم يلتفت مثلما فعلت الصين لأهمية البعد الاقتصادى.


ووقع القادة السوفيت الطاعنون فى السن فى الفخ الأمريكى الذى بثته دعاية عن هيمنة أمريكية قادمة للسيطرة عسكريا بحرب النجوم على الكوكب فضائيا وأرضيا؛ ليكون هذا الفخ أحد أسباب تداعى إمبراطورية السوفييت التى كانت غارقة فى البيروقراطية والفساد، وأجهزت عليها الحيلة الأمريكية بعد أن اقتطعت القيادة السوفيتية جزءا ضخما من ميزانيتها المنهكة لبناء نظام دفاعى مضاد فوق طاقة احتمال اقتصادها ومنذ قرابة ٥٠٠ سنة قبل الميلاد قال المفكر الاستراتيجيى «صن تسو «ليس من الأفضل تحقيق مئة انتصار فى مئة معركة لأن إخضاع العدو هو أفضل ما يكون وفى العصر الحديث قال واحد من أهم المفكرين الاستراتيجيين فى القرن العشرين «ليدل هارت» إن النصر يتحقق من خلال التدمير النفسى للعدو وليس بالتدمير المادى لقواته، وبالفعل فإن الهزيمة النفسية توقع الجيوش فى فخ الانهيار لمدى زمنى طويل وربما للأبد وهذا ما يؤكد فشل إسرائيل فى الحرب النفسية ضد مصر وجيشها بعد هزيمة الخامس من يونيوسنة ١٩٦٧ بعد أن تماسكت على الجبهة الداخلية ونجاح التعبئة النفسية المضادة لدعاية إسرائيل داخل الجيش المصرى الذى استطاع فى فترة زمنية قصيرة تحقيق معجزة العبور .


حرب بلا سلاح تقليدى


تشن الحرب النفسية فى وقتى السلم والحرب على السواء وتستدعى لها كل إمكانيات الدولة السياسية والعسكرية والإعلامية والاقتصادية فى إطار منهجى يستخدم فى الدعاية كل الأساليب النفسية المتاحة للتأثير على آراء ومشاعر ومعنويات وسلوكيات العدو بطريقة تساعد على الوصول للأهداف المرجوة، وهى بذلك تساعد على تحقيق الاستراتيجية العليا للدولة، وبصفة عامة لم يوضع تعريف متفق عليه حول مفهوم الحرب النفسية نظرا لأن القائمين على هذه الحرب فى مختلف دول العالم لم يتفقوا على مجالات عملها بل، إنه داخل الدولة الواحدة تختلف الرؤى أحيانا حول طبيعة وأسلوب الاستخدام وتطلق عليها كثير من الجيوش تسمية العمليات النفسية على اعتبار أنها جزء أصيل فى العمليات الحربية وتستخدم فى كافة مستويات ومراحل الحرب، ففى المستوى الاستراتيجى يستعان بالحرب النفسية لإضعاف الثقة فى قيادة وحكومة الجيش المعادى بغرض بث الشك فى مقدرته على تحقيق النصر، وفى المستوى التكتيكى يتم عمل عناصر الحرب النفسية على الأرض فى ميادين القتال لتحقيق أهداف سريعة ومباشرة وقصيرة المدى طبقا لمجريات القتال .


عناصر الحرب النفسية فى ميادين القتال


١ - عناصر جمع المعلومات : وتعتمد فى عملها على أفراد متخصصين ومدربين على العمل خلف الخطوط، أو يتم زرعهم فى صفوف العدو للقياس الميدانى للروح المعنوية والتعرف على المشكلات الحياتية لجنود العدو ونقاط الضعف فى تسليحه وتدريبه، وتشارك فى هذه الوظيفة عناصر استجواب الأسرى .


٢ - عناصر التحليل : وتقوم بدراسة المعلومات التى تم التحصل عليها وتحليلها تحليلا دقيقا وتجهيز تقرير مفصل بنقاط الضعف فى قدرات العدو المادية والمعنوية .


٣ - عناصر الحملة النفسية : يتصف دور هذه الحملة بالمنهجية العلمية والخيال الإبداعى، فعناصرها هى التى تقوم بوضع الخطة الدعائية للهجوم النفسى على العدو باستغلال المعلومات المتوفرة التى تم تحليلها من خلال الاستعانة بالإمكانيات المتاحة لعناصر العمليات النفسية.


أساليب تنفيذ الحملة النفسية الميدانية


١ - الإذاعة الميدانية : تقوم ببث إرسالها عبر عربة مخصصة لهذا الغرض بها محطة قصيرة المدى تذيع أخبارا عن الأسرى ورسائلهم إلى ذويهم لضعضعة الروح المعنوية لزملائهم، كما تذيع الأخبار التى يمكن أن تؤدى لخداع العدو.


٢ - مكبرات الصوت : تقوم فى مراحل من المعركة بإصدار أوامر لقوات العدو أو فلوله من خلال رسائل قصيرة والإنذار لجيوب المقاومة وحثها على الاستسلام ويتم تحميل المكبرات على عربات أو دبابات أو لنشات .


٣ - المطبعة الميدانية : توجد فى عربات مجهزة وتتصف آلة الطباعة فيها بالقدرة على إنتاج أعداد كبيرة من المنشورات فى زمن قصير، ويمكن أن يزود المنشور ببعض الصور وتلقى هذه المنشورات عن طريق دانات المدفعية والطائرات .


تاريخ الحرب النفسية


دأبت الدوائر العسكرية التى اهتمت بالتأريخ لبدايات تطبيق استخدام الحرب النفسية كإحدى أدوات الحرب على اعتبار أن المغول هم أول من استخدموها طبقا للمفاهيم السائدة عنها الآن فقد أشاع المغول أن أعداد مقاتليهم ضخمة للغاية، وأن سلوكهم يتصف بالعنف المفرط والقسوة والشراسة لبث الرعب فى قلوب أعدائهم وذلك بالدعاية الصحيحة عن طريق استخدام الجواسيس والعملاء ويسترشد المؤرخون العسكريون بأبحاث جديدة أثبتت أن طبيعة إمكانيات ذلك الزمان لايمكن أن تجعل أراضي وسط آسيا قادرة على تحمل أعدادا كبيرة من السكان؛ لذا فإن امبراطورية المغول بنيت فى حقيقة الأمر بإبداع عسكري أجاد استخدام قوات مدربة سريعة الحركة واستخدام العملاء والجواسيس فى الحرب النفسية . وتعتبر رسالة «نابليون بونابرت» إلى الشعب المصرى قبل غزوه نموذجا للحرب النفسية المدروسة؛ إذ جاء فيها «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه من طرف الفرنساوية المبني علي أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية ويظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي، فحضر الآن ساعة عقوبتهم وأخرنا من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الأبازة والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها» . أما فيما بعد فتعتبر الحرب العالمية الأولى هى النقلة النوعية التى أحدثت تحولا جذريا فى الدور الذى تلعبه الحرب النفسية فى المعارك، وكانت هذه الحرب هى بداية ظهور وسائل الاتصال الجماهيرى والتخصيص المحدد للعناصر القائمة بإدارة الحرب النفسية التى برعت فيها فى هذا الوقت الولايات التحدة الأمريكية، بينما فشل الألمان. استفاد الألمان استفادة جمة من فشلهم فى الحرب النفسية فى الحرب العالمية الأولى وبرعوا فيها فى الحرب العالمية الثانية، وكان مهندسها وزير الإعلام «جوبلز» حيث كانت الإذاعة هى الوسيلة الأساسية للحرب النفسية، وقد بدأ المحور الحرب بقيادة ألمانيا ببناء استراتيجية دعائية اعتمدت على تخويف الرأى العام الدولى والداخلى، لأن مستقبل العالم يتوقف على الاختيار بين الشيوعية والفاشية، واستخدمت إيهاما مدروسا بجعل كل دولة تسقطها جيوش برلين تبدو كأنها الأخيرة، بينما يتقدم الألمان خطوة بعد خطوة، ولترهيب الشعوب والحكومات استخدمت أفلام عملياتها فى الحرب الخاطفة لبث الرعب ونتج عن ذلك ما يسمى بالانهيار العصبي للأمم، وذلك بجعلها في حالة شك وعدم تيقن دائمين خوفا مما يمكن أن يحدث لها فى المستقبل، وفي الجانب المقابل أنشأ الرئيس الأمريكى روزفلت عام ١٩٤٢ إدارة للحرب النفسية؛ لتتولى السيطرة على كل الدعاية المحلية والدعاية الخارجية في نصف الكرة الغربي، وامتدت صلاحيات هذه الإدارة على كل نشاط الإذاعة، وفى المراحل الأخيرة للحرب تغير اسمها إلى إدارة الخدمات الإستراتيجية وكانت مهامها : العمل المستمر للحصول على المعلومات والقيام بالدعاية السوداء والمؤامرات والتقويض بالتعاون مع أفرع القوات المسلحة .


الإرهاب والحرب النفسية


على مدار تاريخ حروب العصابات تعتبر الحرب الهجينة النقلة النوعية الأكثر تحولا جذريا وخطورة ذلك فى مجال الحرب النفسية بسبب تغير أدواتها وأساليب عملها على الأرض باستخدام تكتيكات جديدة وأسلحة فائقة القدرات، وفى الفضاء الإعلامى باستغلال تكنولوجيا الاتصالات والوسائط المختلفة عبر شبكة الإنترنت وبعد النجاح المبهر لحزب الله فى جولة صراعها مع إسرائيل عام ٢٠٠٦ عندما تبنى مقاتلوه تكتيكات حرب العصابات مستخدمين صواريخ مضادة للدروع والسفن بنجاح كما استطاعت صواريخه تهديد الجبهة الخلفية للعدو، ونجحت وسائله الإعلامية من تحقيق نصر معنوي وتمكن من اختراق أجهزة اتصال العدو والتجسس على خططه وتحركاته ومنعه من اختراق صفوفه، مما أوقع الجيش الإسرائيلي فى ارتباك كبير أدى الى هزيمته ميدانيا، ولقد لفت نظر قوى الهيمنة هذه النوعية الهجينة لتقوم بإعادة إنتاجها فى الدول التى يراد محارباتها وإعادة صياغة أنظمتها السياسية سواء بالتفتيت كما يجرى الآن فى سوريا والعراق أو خلخلة نظام الدولة وتماسك بنيتها الوطنية والسياسية، كما تمت المحاولة الفاشلة فى مصر، وتتلخص خصائص الحرب الهجينة بصفة عامة فى النقاط التالية:


١ - استخدام أسلحة متطورة تكنولوجيا ذات قدرات فائقة مثل المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات وصواريخ الدفاع الجوى المحمولة فوق الكتف والمواد المتفجرة ذات قوة الانفجار الهائلة لبث الرعب فى نفوس المدنيين وقوات الدولة التى تقوم بمحاربتها.


٢ - استخدام وسائل الاتصال والتنصت الحديثة التى لاتتوفر إلا فى جيوش الدول المتقدمة، وتقتصر أحيانا على الدول العظمى، ويكشف هذا الوضع طبيعة تداخل علاقات الإرهاب فى الشرق الأوسط تحديدا مع هذه القوى لزعزعة قوى الأمن.


٣ - تتعمد تشكيلات العناصر الإرهابية الذوبان وسط التجمعات والمناطق الآهلة بالسكان وتمارس عليها النفوذ بالمال والتخويف.


٤ - فى الغالب ما تكون الجماعات الإرهابية عابرة للدولة القومية وترتبط بشبكات إقليمية تمثل ظهيرا هاما فى مجال الاستخبارات والتدريب والإمداد بالأفراد والمال والسلاح.


٥ - استخدام أساليب إرهاب كارثية للترويع كالعربات المفخخة بكميات ضخمة من المتفجرات والعمليات الانتحارية واللجوء إلى القسوة فى قتل المدنيين العزل بطرق همجية وشنيعة كالذبح والحرق والإلقاء من أماكن مرتفعة.


٦ - المزج بين أساليب وتكتيكات الحرب التقليدية وحروب العصابات عند الهجوم على الوحدات والمواقع العسكرية.


٧ - التهديد المستمر لاستقرار الدولة وتعطيل دولاب عملها.


٨ - فتح القنوات مع الميديا بتعدد أشكالها واستخدام شبكات التواصل الاجتماعى عبر الإنترنت لتغطية عملياتها إعلاميا.


٩ - نشر الشائعات والأكاذيب وترويج المغالطات لحشد الدعم المعنوى بين عناصرها وأنصارها وهدم الثقة والروح المعنوية بين المواطنين.


١٠ – التعاون مع عصابات الجريمة المنظمة فى التجارة غير الشرعية للآثار والبترول وتهريب الأفراد والسلاح.



آخر الأخبار